ليس انفجار بيروت وحده العامل الأساسي الذي أطاح بحكومة الرئيس حسان دياب ودفعها للاستقالة، فالمواد التي انفجرت في مرفأ بيروت موجودة من العام 2013 ولا تتحمل حكومة عمرها بضعة اشهر وحدها مسؤولية الاستهتار والتقاعس عن ازالتها، وليست الأزمات الاقتصادية والمالية و«الكورونا» وعدم استطاعة الحكومة انجاز الاصلاحات التي طلبها المجتمع الدولي، فهناك عدة عوامل تضافرت واجتمعت، الا ان طرح الرئيس حسان دياب كان اللغم الأخير الذي انفجر بالحكومة.

الانتخابات النيابية المبكرة هو أحد مطالب «الثورة» منذ 17 تشرين الأول للاطاحة بالطبقة السياسية واجراء التغيير، وحيث تختلف الحسابات السياسية بين مؤيد لها ورافض بالمطلق، لأنها في غير زمانها ومكانها الطبيعي خصوصا مع النكسات التي ضربت لبنان من زلزال انفجار بيروت الى الوضع الكوروني.

تؤكد مصادر سياسية ان عناصر تفجير الحكومة كانت حاضرة من البداية، لا توجد رغبة دولية ببقائها واعطائها فرصة بحكم احتسابها على طرف سياسي كما ان الحكومة تخبطت بالأزمات ولم يفلح وزراء بصفة تكنوقراط على تخطيها، فكان الاصطدام يقع غالباً مع الأطراف السياسية وكانت تواجه العرقلة من الداخل والخارج.

مفاجأة دياب بالانتخابات النيابية المبكرة تمّ رفضه لسببين: المشهد السياسي مرتبك منذ 17 تشرين الأول بسقوط حكومة الرئيس سعد الحريري وانهيار التسوية بين بعبدا وبيت الوسط من جهة، كما ان القوى المؤثرة لا تبدي حماساً للانتخابات لحسابات عديدة ، كما ان الانتخابات المبكرة يفترض ان يسبقه تقصير ولاية المجلس النيابي الحالي. من جهة أخرى، فان الحماسة للاستقالة من المجلس كما تقول مصادر سياسية تفاوتت بين ثلاثي الاشتراكي والقوات والمستقبل وتقلبت بين الحماسة الزائدة وحسابات خاصة.

استقالة النائبة ديما جمالي اختصرت استقالة نواب المستقبل، فالرئيس سعد الحريري لديه حسابات خاصة واقليمية ويحرص على بقاء علاقته ضمن السقوف الجيدة مع حزب الله وحركة أمل، ورغم كل الأجواء الضاغطة لم يقطع صلة الوصل مع الثنائي الشيعي، فيما العلاقة انزلقت الى مستويات متدنية مع العهد والتيار الوطني الحر وكل ما يساق عن توتر سيرافق صدور حكم المحكمة الدولية، الا ان الرئيس الحريري حريص لأن يقيس خطواته بدقة فلا يرتكب اي خطأ قبل صدور حكم المحكمة الدولية وحيث يتولى المحيطون به تهدئة الأجواء وترك الموقف له وحده في ما يتعلق بقضية اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري.

يمكن القول ايضا ان المستقبل مأزوم في الانتخابات لأنه مهدد بخسارة ثلث كتلته النيابية، ولذلك فان الرئيس سعد الحريري بدا أكثر اعتدالاً في المواقف، فلم يُصعّد ضد حكومة دياب بل تركها تسقط وحدها، اما القوات فلها حسابات انتخابية خاصة مختلفة لأنها تعتبر ان العهد في «حشرة» سياسية كبيرة، وبالتالي يمكن استغلال الفرصة والاستثمار في انتخابات الساحة المسيحية.

وفق حسابات المترددين في الاستقالة، فان استقالة ثلث المجلس النيابي تؤدي الى فقدانه ميثاقيته السنية والدرزية، وتؤدي الى خضة كبيرة على الساحة السياسية المقبلة مع صدور الحكم في قضية الرئيس الحريري، وتؤكد المصادر ان التيار الوطني الحر يُحصي الأضرار المسيحية في بنيته بعد انفجار المرفأ، على اعتبار ان التيار يتعرض لحروب الغاء سياسية اثرت على شعبيته المسيحية، وبالتالي، فان اي انتخابات اليوم في ضوء الحملة السياسية تؤدي الى انكشافه شعبياً، وفيما كانت «القوات» ماضية في الاستقالة من مجلس النواب، تعرضت لضربة موجعة من حلفائها في المستقبل والاشتراكي وانقلاب كل من جنبلاط والحريري على الاتصالات وتراجعهم عن الاستقالة بحجة ان هذه الخطوة ستؤدي الى اهداء البرلمان للفريق السياسي المناوىء.

القوات تلقت صدمة من الحلفاء، فهي كانت متحمسة للانقلاب على البرلمان الحالي واجراء انتخابات جديدة يمكن ان تضاعف كتلتها بسحب مقاعد من التيار الوطني الحر، كما تراهن «القوات»، قلب التوازنات على الساحة المسيحية لمصلحتها، اما الحزب التقدمي الاشتراكي فلا مصلحة له باجراء انتخابات اليوم خصوصا انه لم يخرج رابحاً من الانتخابات النيابية الماضية التي خسرته المقاعد المسيحية في بعبدا وعاليه، في حين ان الثنائي الشيعي لا يتاثر سواء بالانتخابات المبكرة لأن جمهوره مستقل والساحة الشيعية ملتفة بعد الحصار الأميركي والعقوبات حول قياداتها.