يؤكد المقربون من بكركي والمتردّدون الى صرحها ان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لديه مخاوف على الوجود المسيحي في ضوء المعلومات والتقارير التي تصله عن تقهقهر المسيحيين وتراجعهم اقتصادياً واجتماعياً لأنهم الطائفة الأكثر تضرراً بالأزمات الأخيرة التي حصلت استناداً الى أعداد البطالة واقفال المؤسسات المسيحية وعلى ضوء تزايد أعداد المهاجرين من المسيحيين الى أميركا وكندا وفرنسا وانعكاسات الهجرة الى بلدان بعيدة في عدم العودة على المدى الطويل.

قلق بكركي تضاعف بعد تفجير بيروت الذي لم يُميّز بين الطوائف والأديان لكنه اصاب بشكل مُباشر المنطقة ذات الأغلبية السكانية المسيحية، فتدمّرت منازل ومؤسسات وسقط شهداء وتضرّر المرفأ الذي يعتبر الواجهة البحرية المميزة لبيروت والذي يضاهي مرفأ حيفا ومرافىء عالمية.

الشعور السائد في بكركي، ان المسيحيين دفعوا فواتير الحرب والسلم وثمن التسويات والتفاهمات فعلاقة القيادات المسيحية مع بعضها لم تكن أبداً على خير ما يرام وكثيراً ما رعى غبطته المصالحات لتوحيد المسيحيين الذين عادوا وافترقوا في كل المحطات، كما ان الشعور ايضاً ان المسيحيين لم يقدموا على تفاهمات تصب لمصلحة المسيحيين وهم دفعوا ثمن تمسّكهم بالطائف أكثر من القيادات السياسية الأخرى.

المشهد المسيحي المتأزم زاد تعقيداً مع كارثة الانفجار الذي دمّر بيروت ونكب منطقة مسيحية بكاملها، الأمر الذي وسّع الشرخ بين الجمهور المسيحي والقيادة السياسية وهذا ما ترجم بارتفاع الخطاب اليميني في الشارع الجريح بالانفجار وفي مشاهد الجنازات الحامية الشعارات ضد العهد والتيار الوطني الحر وفي تعزيز الخطاب المسيحي المتطرّف الذي لم يظهر سابقا في اي مناسبة ولا حتى في تظاهرات 17 تشرين الأول وخرج الى العلن للمرة الأولى بعد تفجير 4 آب في مواكب تشييع الشهداء والضحايا ، فالشعارات التي وجدت لرفع المعنويات بلغت نسبة كبيرة من الحدة والطائفية.

تفجير بيروت أسقط الخطوط «الحمر» لينفجر الصاعق في وجه الطبقة السياسية التي تتخاذل في ايجاد حلول لأزمات ومآسي الناس، يكفي التمعن في جولة البطريرك الراعي في مرفأ بيروت والى فوج الإطفاء والتفقدية لكنائس الرعية المارونية والمقارنة بين جولة الراعي وعدم مُبادرة أي مسؤول لتفقد أضرار العاصمة لتبيان حجم الهوة التي تفصل بين الجمهور والزعامات السياسية، والدلالة على ان النكبة التي حصلت في الشارع المسيحي اليوم لا يُوازيها اي نكبة حتى في سنوات الحرب الطويلة، والمفارقة المؤلمة ان السلطة تجاوزت مأساة الناس وتبحث في موضوع تأليف الحكومة وكأن مدينة بيروت لم تدمر بعصف انفجار هو الثالث في العالم بعد ناكازكي وهيروشيما، وتأمين الخلف للرئيس سعد الحريري في الحكومة. على خلفية انفجار المرفأ والاتهامات بالتقصير والاهمال تشيطنت صورة العهد ونال التيار الوطني الحر الحصة الأكبر من الشعارات المضادة له خصوصا ان المناطق المجاورة للمرفأ مسيحية التاريخ العمراني والسكاني.

انفجار المرفأ فاقم الهواجس المسيحية من احتمال تزايد الهجرة وسط موجة من التغيير الديمغرافي. مع اقتراب حلول مئوية لبنان الكبير يُسيطر هاجس تحلل الكيان والخوف من التوطين على المسيحيين، وهذا ما دفع الراعي الى التمسّك بطرح الحياد وتحييد لبنان حفاظاً على بقاء المسيحيين.