انفجر مرفأ بيروت في وجه الجميع فسقطت حكومة الرئيس حسان دياب، لكن التأثيرات الدراماتيكية لتفجير بيروت أصابت بشكل أساسي  الرئاسة الأولى والتيار الوطني الحر اكثر من غيرهما من القوى السياسية، فالثنائي الشيعي  بدا متماسكا  في التعاطي مع الكارثة كما حاول «تيار المستقبل» ان يحيد نفسه عن تداعيات التفجير السلبية على علاقته  مع الجمهور المسيحي، فيما كانت أحزاب المعارضة اقل تضرراً، حيث ان اللوم الذي وجه لفريقي العهد والتيار تركز حول أخذ العلم بما يوجد في المرفأ من مواد متفجرة والتقصير والاهمال الذي اتهم به محسوبون على الفريق المسيحي من الدائرتين الامنية والقضائية على الرغم من ان تفاصيل التحقيقات تشير الى ان لا تمييز بين الطوائف او الانتماءات السياسية للمشتبه بمسؤوليتهم عن التقصير.

وفق مصادر سياسية، فان المسار السياسي الجديد للاحداث يستدعي  تبدلا في طريقة  تعاطي القوى السياسية مع الوضع الجديد الناشىء ويشمل ايضاً التيار الوطني الذي صار واضحا في الاستشارات  انه يبدي تساهلا مع التأليف بخلاف المرات السابقة التي كانت حصص التيار تشكل عقدة رئيسية، وعليه، فالمرجح ان  يسير التيار نحو التضحية بحصصه السابقة ومكتسباته من الحكومات السابقة ،الا ان العودة عن التساهل مرتبط ايضا بموقف الكتل والأحزاب السياسية الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، تؤكد المعلومات ان هناك توجها داخل التيار الوطني للبقاء خارج المشهد الحكومي لتلميع صورته التي ارتبطت بالمحاصصة السياسية والتي تشوهت في الأحداث.

بالنسبة الى التيار، فان ما بعد 4 آب، هناك مرحلة جديدة في العمل السياسي  تقتضي مواكبة المتغيرات وتغييرا في الاستراتيجية والتعاطي مع الحلفاء كما مع الأصدقاء والأخصام، وفي مقاربة القضايا الأساسية ورسم خريطة وطريق العمل  للمرحلة المقبلة والتعاطي مع الاستحقاق الحكومي لتأليف الحكومة والتغيير الذي طرأ بعد زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، اما داخليا فالعلاقة مع الحلفاء في اساس الأولويات حيث هناك توجه لعدم تقديم خدمات مجانية للحلفاء  في المرحلة المقبلة.

في شأن الوضع الداخلي للتيار، سيكون هناك ترتيب جديد يقتضي توحيد الموقف ومعرفة من غادر التكتل ومن سيعود اليه وغربلة الأسماء  وتنقية الأخطاء وفتح صفحة جيدة في العلاقة بين أعضاء التكتل وخصوصا المتمايزين،  ومن سارت مواقفهم بعيدة عن السياق العام وتوجه الحزب، حيث اصبح كل فريق «فاتح على حسابه» وفق مصلحته النيابية والسياسية وهواجس منطقته وحيثيته الشعبية .

 ليس صعبا اكتشاف ان لبنان يمر بمرحلة انتقالية أثرت على القوى السياسية والتحالفات وعلاقة الحلفاء مع بعضهم، التيار الوطني الحر من القوى التي تأثرت مباشرة بالمتغيرات ولا يمر التيار بأحسن أوقاته منذ 17 تشرين الأول وما تلاه من محطات ، يشكو جمهور ومؤيدو التيار من تحميلهم من قبل شريحة واسعة من اللبنانيين تبعات الانهيار ونتائج الحصار الأميركي في الساحة المسيحية. هذا الواقع شكل  محور نقاش داخلي في التيار الوطني الحر منذ فترة وهو مثار جدل  منذ فترة  بين الداعين لاعادة ترتيب  المسار الجديد للعلاقة مع حزب الله على ضوء التطورات، حيث ان التيار مربك قيادة وجمهورا على مفترق خيارات مصيرية  بين الخيارات  التي يريدها الجمهور المسيحي المتمسك بالعلاقة مع الغرب، ولا يمكن ان ينتقل الى المحور المعادي للولايات المتحدة الأميركية وان يتبنى خيارات لا تشبه البيئة المسيحية، اكثر من ذلك، فان الفريق العوني ليس قادرا على الخروج عن ورقة التفاهم مع حزب الله.

تطرح في محيط التيار آراء وتوجهات عديدة، وقيادة التيار امام خيارات معقدة، فك التحالف مع حارة حريك ليس مطروحا لأسباب استراتيجية، حيث ان حزب الله كان له أدوار اساسية في طرد الارهاب ومساندة القوى الأمنية أضافة الى خلق توازن عسكري مع العدو الاسرائيلي قد يحتاجه لبنان عند ترسيم الحدود، كما ان انهيار التحالف يضعف جبهة 8 آذاروليس مطروحا راهنا. وعلى هذا الاساس هناك محاولات من اجل خلق تعادل ايجابي  في علاقته مع حزب الله تقوم على عدم كسر العلاقة او تعريضها لانتكاسات ومسايرة الوضع المسيحي ومحاكاة هواجسه الاقتصادية والمعيشية من جهة ثانية، يسعى  التيار ايضا لاقامة توازن مماثل مع الولايات المتحدة الأميركية تقوم على افهام واشنطن ان التحالف مع حزب الله حاجة لبنانية ملحة.