البلد ينزف. الدولة ركام. غضب الناس يتزايد. تداعيات انفجار مرفأ بيروت ارخت بظلالها على اللبنانيين وخاصة على المسيحيين الذين اتخذوا قراراً بالهجرة بنسبة كبيرة. اما الامل الوحيد الموجود وسط كل هذا السواد هو الاهتمام الفرنسي بلبنان وحث قياداته على تأليف حكومة بأسرع وقت وفقا للمهلة التي حددها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

وبين تصميم الفرنسيين على مساعدة لبنان. تواصل الولايات المتحدة ضغوطاتها حيث ادرجت الوزير السابق علي حسن خليل التابع لحركة امل والوزير السابق يوسف فنيانوس التابع لتيار المردة على لائحة العقوبات.

وتعقيبا على ذلك. يبرز داخليا وخارجيا محاولات للتشويش على المبادرة الفرنسية التي تسعى الى انقاذ لبنان من القعر ومساعدته على مواجهة ازمته المالية. وفي هذا السياق. تعتبر انها المرة الاولى التي تستمع القيادات السياسية اللبنانية الى فرنسا التي اظهرت انها الوحيدة القادرة على انقاذ لبنان من محنته حيث من المتوقع ان تولد الحكومة قريبا اذ لا يبدو ان هناك عقبات تجعل تشكيل الحكومة امراً مستحيلا  بل ان المبادرة الفرنسية ملزمة واحدا لا يمكن ان يهرب منها. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستعطى الحكومة صلاحيات استثنائية؟ وهل ستتمكن الحكومة المرتقبة بوضع خريطة اصلاحات اقتصادية خلال ثلاثة اشهر؟ تؤكد اوساط سياسية ان حكومة بقيادة الرئيس المكلف مصطفى اديب مختلفة عن الحكومة السابقة اذ تميل الى السياسة الفرنسية وبالتالي ستكون كفيلة باصدار القوانين المعنية لتطبيق الاصلاحات لاحقا. وفي ظل هذه الفرصة الذهبية التي حصل عليها لبنان. على القيمين على هذا البلد عدم تضييع المساعدة الفرنسية او ما يعرف بالمبادرة الفرنسية التي تسعى الى تسهيل تأليف الحكومة ومن ثم تطبيق اصلاحات ضرورية لاعادة احياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر. الفرنسيون مصممون على مساعدة لبنان خاصة ان الملف اللبناني يعتبر ملفاً داخلياً في فرنسـا ولا يندرج ضمن السياسات الخارجية الفرنسية.

 ماذا يحصل في الطريق الجديدة؟

في المقابل. الاشتباكات المتنقلة في اكثر من منطقة لبنانية توحي بمخطط لتخريب الامن وللتشويش على مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ولا سيما انها قد تكون بداية لحل طويل الامد للازمة اللبنانية.

وإذا كانت هذه الاشتباكات الدموية وفي ملاحظة لافتة انها تجري في مناطق سنية، تتوقف اوساط سياسية عند اشتباك طريق الجديدة بين انصار بهاء وسعد الحريري وهو الثالث بين الطرفين منذ احياء ذكرى 14 شباط 2020 عندما هاجم انصار بهاء الحريري انصار سعد ومواكبهم قرب مسجد الامين بالحجارة والعصي وقد سقط جرحى بين الطرفين.

والحال ان بهاء الحريري يعتبر ان اخاه سعد الحريري هو من الطقم السياسي الذي اوصل الامور الى هذا الوضع على عدة اصعدة. وهذا واضح من خلال مواقف بهاء الحريري التي اعلنها في بياناته التي تنص على انتقادات لاذعة لاخيه. وبدأ بهاء الحريري بانزال مناصرين له في المسيرات للتعبير عن توجهاته السياسية. لكن الامور انفجرت في منطقة طريق الجديدة منذ يومين  فكان الإشتباك الاعنف وهي رسائل بالدم بين الشقيقين مع تحميل سعد وفق معلومات خاصة لـ«الديار» شقيقه بهاء ومعه اللواء اشرف ريفي مسؤولية تسليح بعض المجموعات في عكار وطرابلس والطريق الجديدة.

في التفاصيل. ظهر التقاتل بوضوح بين انصار لسعد الحريري وبين انصار  لبهاء الحريري في الطريق الجديدة حيث يريد بهاء الحريري النجل الاكبر للشهيد رفيق الحريري ان يقود الشارع السني بدلا من اخيه سعد. ويستند بهاء على النفوذ التركي لاستقطاب البيئة السنية واخذ الامور باتجاه متطرف من اجل احراج سعد الحريري.

واضافت هذه الاوساط ان الساحة السنية اصبحت الساحة الاكثر حساسية نتيجة امتعاض بعض السنة من التنازلات التي قدمها سعد الحريري الى جانب تداخل قوى اقليمية تستغل هذا الواقع لمصلحتها.

التدخل التركي مرشح لمزيد من التصعيد

وتقول مصادر وزارية للديار ان تركيا تحاول دخول لبنان  بطريقة رسمية حيث قال وزير الخارجية التركي  مولود جاويش أوغلو، أثناء زيارته إلى لبنان انه تلقى توجيهات من الرئيس إردوغان بمنح الجنسية التركية للأتراك والتركمان الذين يعيشون في لبنان وليس لديهم الجنسية التركية، بسبب ما عانوه خلال السنوات الماضية، وكان آخرها انفجار مرفأ بيروت الكبير. 

وتتابع هذه المصادر ان التدخل التركي لم ولن يقتصر فقط على اعطاء الجنسية فالتركي يريد التدخل بطريقة ايضا غير رسمية عبر دعم مجموعات قريبة من الاخوان المسلمين في لبنان.  وما هي حادثة الطريق الجديدة سوى تغلغل تركي في مجموعات لبنانية تدعمها ماليا لتعزز انقرة نفوذها على الساحة اللبنانية.

لقاء الرئيس عون والرئيس المكلف: المشاورات مستمرة

في غضون ذلك. التقى الرئيس المكلف مصطفى اديب الرئيس عون في قصر بعبدا للبحث في الحكومة المرتقبة وقال اديب بعد انتهاء اللقاء  نحن في مرحلة التشاور مع فخامة الرئيس، وان شاء الله كل الخير مضيفا سنكمل التشاور مع باقي  الاطراف. علمت «الديار» وعلى عكس ما اشيع، لم يحمل الرئيس المكلف مصطفى أديب الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد لقائهما للمرة الثانية بعد تكليفه اي مسودة  حكومية.

 وفي السياق ذاته. لم يتلق اديب حتى هذا التاريخ اي اسماء لوزراء مرشحين من الكتل النيابية علما  ان الرئيس المكلف يتحاور مع شخصيات من المجتمع المدني ويسعى  لتوزير البعض منهم.

وتؤكد اوساط واسعة الاطلاع في تحالف «حزب الله» و8 آذار لـ«الديار» ان كل ما يحكى ويسمع وينتشر ويعمم اعلامياً وسياسياً تقف وراءه جهات محددة وهدفها التشويش على الايجابية السائدة ويمنون النفس بسقوط مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وان يبقى لبنان في فوهة الانهيار والتأزم.

وعن المداولات الحكومية، تؤكد الاوساط ان لقاءات عدة اجريت بين القوى السياسية الاساسية والرئيس أديب انطلاقاً من «الثنائي الشيعي» و«الخليلين» اللذين التقياه السبت وجرى نقاش في نقاط عدة ابرزها : شكل الحكومة، وعدد وزرائها، والمداورة. وهي امور ستتكثف اللقاءات حولها بين القوى الفاعلة والرئيس المكلف في الساعات المقبلة، على ان يكون هناك تشكيلة متوقعة وترضي جميع الاطراف بما فيهم الشارع خلال اسبوع الى 10 ايام كحد اقصى، وهذا سيكون انجازاً في وقت قياسي وسابقة لم تحصل في لبنان ان تتشكل حكومة متجانسة وشاملة بـ15 او 20 يوماً وبزخم دولي وفرنسي.

  لا ثقة دوليا بالطبقة الحاكمة  ولكن لا تنظيم واضح للثوار 

بموازاة ذلك. تبرز رغبة دولية واوروبية وعربية بحصول تغيير جذري في النظام السياسي في لبنان حيث بعد انفجار مرفأ بيروت اتضح نسبة الاشمئزاز من هذه الطبقة السياسية المهترئة حيث ان المساعدات المالية والغذائية سلمت للجمعيات غير الحكومية وهذا كان شرطا بأن لا تقع هذه المساعدات بايدي الدولة اللبنانية. والكلام ان المساعدات على عدة اصعدة ستذهب للشعب اللبناني قالها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وكذلك ردده مسؤولون اميركيون. وفي الوقت ذاته. كان المجتمع الدولي والاوروبي والعربي ولا يزال يتوقع ان تتوحد الثورة وتبلور برنامج لها وتجمع على شخصية معينة تعبر عن طموحات الثوار او اذا لم يقع الاختيار على شخص واحد فعلى الاقل ان تشكل الثورة هيئة او ائتلاف تضم الشخصيات البارزة والتي يمكنها ان توصل صوت الثورة بشكل فعلي وجدي الى الحكم وتجعل من نفسها محل ثقة امام الدول الاوروبية وغيرها.

ورغم ان الرئيس الفرنسي يعلم ان المنظومة السياسية الحاكمة غير منتجة الا انها الخيار الوحيد امامه في هذه المرحلة  نظرا لعدم وجود هيئة واحدة او زعيم يمثل الثورة وعليه يحاول ماكرون قدر المستطاع انقاذ لبنان من السقوط المدوي والانهيار الشامل. وانطلاقا من ذلك. يعتمد الرئيس الفرنسي  البراغماتية في تحقيق اهدافه وهو لا ينجر وراء انفعالات غير المجدية ولا عداوات تزيد الطين بلة في لبنان. والحال ان  الرئيس ماكرون يتعامل مع المنظومة الحاكمة كونها السلطة الوحيدة الموجودة والمنظمة  اليوم وقد وضع اطاراً زمنياً لتشكيل الحكومة  وهو 15 يوما ولوضع خريطة اصلاحات اقتصادية خلال ثلاثة اشهر. هذه المهل الزمنية التي حددها ماكرون تشير الى ان هذه الطبقة السياسية يجب ملاحقتها في عملها لانه اذا تركت حرة لن تقدم على اي اجراء اصلاحي او اي تقدم ايجابي لا بل ستغرق في المزيد من السجالات السياسية التافهة.

وحول حزب الله. ابدى ماكرون تعاونا وانفتاحا في الحوار مع المقاومة والاخيرة بادلته بايجابية.

وتحت مظلة المبادرة الفرنسية. اختار سعد الحريري انتقاء مصطفى اديب ليكون الرئيس المكلف الا انه في الوقت ذاته لا يريد الحريري التدخل في التأليف او تسمية اي وزراء محسوبين عليه. وبالتالي تعاون الرئيس الحريري مع الرئيس الفرنسي لتسهيل تشكيل حكومة ازعج رئيس القوات اللبنانية الذي يريد تطويق العهد واضعافه انما الظروف لم تأت لصالحه اضافة الى ان حليفه الحزب التقدمي الاشتراكي لم يحسم موقفه بعد سواء بالمشاركة في الحكومة المقبلة ام الاعتكاف.

 الهوة بين جعجع والحريري  تتوسع اكثر فاكثر

منذ التجربة القاسية التي تعرض لها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السعودية. لم تعد العلاقة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية الى مجاريها. فكانت تجربة سعد في الرياض نقطة تحول في علاقته مع الدكتور سمير جعجع. برز بشدة النفور من جهة الشيخ سعد الحريري تجاه القوات اللبنانية وكلما ظهر استحقاق ما في الدولة. تبين ان كلا الرجلين لديهما مقاربة سياسية مختلفة عن الاخر حيث ان سعد الحريري يسعى الى الاعتدال في المواقف والحفاظ على السلم الاهلي في حين ان سمير جعجع يميل الى مواقف متطرفة ومتشددة. واخر المطبات في العلاقة بين المستقبل والقوات. كانت تعاون سعد الحريري مع الرئيس ماكرون والدخول في التسوية واختيار مصطفى اديب في حين ان القوات سمت نواف سلام لرئاسة الحكومة وهذا الامر زاد من الطين بلة. وهنا. بات واضحا ان العلاقة الى المزيد من الافتراق بين سمير جعجع وسعد الحريري في العمل السياسي.

 القوات اللبنانية: باسيل كانت اولويته خلافة عون وليس حل الازمة الاقتصادية

 من جانبها. اعتبرت المصادر القواتية ان تشخيصها للازمة ان الامور لم تكن لتصل لهذا الدرك لولا تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وعليه لبنان يعيش التداعيات السلبية لاتفاق مار ميخائيل. ورأت ان اتفاقية مار ميخائيل اعطى لحزب الله غطاء سياسياً. وتابعت المصادر ان الدكتور سمير جعجع اراد تسليط الضوء على وجود اشكاليتين :

الاشكالية الاولى هي عدم وجود دولة والثانية بسبب هشاشة الدولة نشأت طبقة سياسية اطاحت بكل القوانين والدستور لمصلحة الفساد.

وحول الاصوات التي تدعو الى تطبيق اتفاق الطائف كاملا. رأى رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع ان من يريد تطبيق اتفاق الطائف يجب البدء من البند الذي لم يطبق منذ اللحظة الاولى وهو بند تسليم سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. اما لجهة من يخوف اللبنانيين بالمؤتمر التأسيسي او المثالثة. هنا تقول المصادر ان حزب القوات لا يخشى المؤتمر التأسيسي واذا اردتم الخروج عن اتفاق الطائف وعدم تطبيق الشق السيادي في هذا الاتفاق والذهاب نحو مؤتمر تأسيسي نقول لحزب الله بان العنوان الاول في هذا المؤتمر سيكون «ليس ما تشتهونه» انما الحياد واللامركزية الموسعة.

وحول الازمة الاقتصادية التي بدأت عام 2011 والتي تكلم عنها الوزير السابق شربل نحاس وهنا اشارت المصادر القواتية ان تردي الازمة بدأ مع اسقاط حكومة سعد الحريري وتفاقمت الاوضاع المالية والاقتصادية  في ظل فراغ رئاسي دام لسنتين والذي كان احد العوامل التي دفعت القوات لترشيح العماد ميشال عون لان استمرار الفراغ كان سيؤدي حتما الى سقوط الهيكل. وعندما دخلنا عام 2016 الحكم حذرت القوات اللبنانية مرارا وتكرار من خطورة الاوضاع المالية. وتابعت المصادر القواتية انه  بعد حصول الانتخابات النيابية عام 2018 وقبل ان تتشكل الحكومة الثانية برئاسة الحريري في عهد عون. دعت القوات اللبنانية حكومة تصريف الاعمال انذاك من اجل ان تبت ببندين تحت عنوان مواجهة الازمة المالية لان لبنان ينزلق باتجاه ازمة مالية حادة. في المقابل. ماذا كان يفعل الفريق الاخر؟ قالت المصادر القواتية ان رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل  كان يذهب باتجاه الجبل وحادثة قبرشمون ويستمر في استفزازاته بين الجبل وبين طرابلس وفي مواجهة تيار المستقبل احيانا والقوات اللبنانية ومواصلة التحدي الدائم للحزب التقدمي الاشتراكي.

اما مقاربة الوزير جبران باسيل للازمة المالية فكانت مواجهات متنقلة لباسيل واصبحت الاولوية خلافة الوزير باسيل للعماد عون وليس مواجهة الازمة المالية وليس تحقيق انجازات في عهد الرئيس ميشال عون.

من ناحيتها. اعلنت القوات اللبنانية  في 2 ايلول 2019 ان حكومة اختصاصيين باتت حكومة اساسية وضرورية للمرحلة المالية الصعبة ولو استمعوا منا لما وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم.

حول انفجار مرفأ بيروت. شددت القوات اللبنانية انها لا تثق الا بتحقيق دولي في هذه الحادثة للوصول الى الحقيقة ونتائج جدية ولكن ما يحصل اليوم من تخبط في التحقيقات حيث قالت السلطة انها قامت بتحقيق لخمسة ايام ولكن لم نعلم بنتائجه واليوم مر شهر وعشرة ايام على هذه الجريمة التي حصلت في المرفأ.

 طرابلس: المدينة الاكثر فقرا وعوزا  تصدر ابنائها  للخارج

حول هجرة الطرابلسيين بطريقة غير شرعية الى قبرص واليونان قالت اوساط مقربة من النائب فيصل كرامي ان هذه الهجرة ليست بجديدة ولكن اليوم الاعلام سلط الضوء عليها وعزا ذلك بان الحياة باتت معدومة في هذه المدينة.

وانتقدت الاوساط اهمال الدولة وعدم قيامها  بواجباتها  تجاه مدينة طرابلس فلماذا اكبر نسبة بطالة وفقر وجوع موجودة في طرابلس. واضافت ان هذه المدينة لها الحق على الدولة منذ عام 1992 عندما وعدت طرابلس بالانماء المتوازن ولكن ذلك لم يحصل.  والحال انه من الطبيعي ان نصل الى هذه النتيجة فهي رد فعل لتراكمات الاهمال وترك المدينة لتكون صندوق بريد وصندوق انتخابات. وكشفت هذه الاوساط المقربة من النائب كرامي ان اي جهة سياسية تريد ايصال رسالة سياسية  تستخدم طرابلس ساحة لتصفية الحسابات  وخير دليل على ذلك ما حصل من جولات اقتتال في شوارع طرابلس عام  2011  وايضا في عام 2014 والتي اسفرت عن مقتل 250 ضحية من طرابلس بالذات.