في ظل كل الكوارث التي يعيشها لبنان واللبنانيون، مع ما يترافق ذلك من يأس وخوف قلّ نظيرهما حتى في ايام الحرب، عاد الاحباط بقوة شديدة  الى الساحة المسيحية المنهكة والمدمرّة منذ الرابع من آب الماضي، بسبب انفجار مرفأ بيروت الذي لم يترك احداً من تداعيات كارثته، ولم يكن ينقص المسيحيين إلا ما جرى مساء الاثنين الماضي من خلاف كبير، وتراشق كلامي واتهامات ونبش للماضي الاليم بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، خلال مسيرة للقوات في ذكرى إستشهاد الرئيس بشير الجميّل في عدد من المناطق، لكن المحطة الخلافية برزت خلال مرور مسيرة لهم  بالقرب من مركز التيار الوطني الحر في «ميرنا الشالوحي»، حيث وقع الصدام وتخلله إطلاق نار وسباب وشتائم، لكن الملف بات في عهدة القضاء، لمعرفة حقيقة ما جرى عبر الكاميرات الموضوعة، وفي هذا الاطار تقدّم يوم امس التيار الوطني الحر بشكوى ضد حزب القوات اللبنانية ورئيسه سمير جعجع وعدد من الناشطين والملتزمين في الحزب «وكل من يظهره التحقيق فاعلاً او شريكاً او محرضاً، لاقدامهم بتوجيهات وأوامر من الحزب المدعى عليه، على مهاجمة المقر المركزي للتيار الوطني الحر على شكل جماعات مسلحة، بناء لاتفاق مسبق يهدف الى ارتكاب الجنايات على الاشخاص والاموال الموجودين في المقر المذكور والتعرض للدولة اللبنانية وهيبتها وسلطتها عبر تأليف تجمعات شغب والحض على النزاع بين عناصر الامة، الجرائم المعاقب عليها بموجب المواد 317 و335 و346 من قانون العقوبات، طالباً التحقيق معهم والادعاء عليهم بالجرائم المذكورة وانزال اشد العقوبات بحقهم، وقد تسجلت الشكوى تحت رقم تحت رقم 5387/م/2020».

لذا وبغض النظر عن تطورات الوضع المتأزم بين الطرفين، لا بدّ من تذكيرهما تقول مصادر مسيحية بأنّ ما جرى مرفوض بشدة، خصوصاً في ظل ما يعيشه لبنان من ازمات على جميع الاصعدة، والتي تتطلّب من جميع الاطراف الوحدة والاتفاق لإنقاذ الوطن وإنتشاله من القعر، فكل هذه المشاهد المؤسفة والاتهامات المتبادلة بالحروب العبثية، اعادت الاحباط من جديد الى نفوس المسيحييّن الباحثين عن هجرة في اي مكان من هذا العالم، خصوصاً بعد ان تأملّوا خيراً منذ ما يقارب الاربع سنوات على توقيع اتفاق معراب، بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، حينها إستبشروا خيراً بأن الماضي الاليم الذي اسقط شهداء من الطرفين، خلال حرب عبثية اوصلتهما الى الخراب، وجعلت منهما لاحقاً فئة ضعيفة خاسرة ما زالا يدفعان ثمنها لغاية اليوم، قد تعيد المجد المسيحي الى سابق عهده، لكن ما جرى قلبَ الوضع رأساً على عقب.

الى ذلك ترى المصادر المسيحية بأنّ ما حدث قبل ايام ، هو نتيجة كل التراكمات  الظاهرة والمخفية منذ توقيع الاتفاقية بين عون وجعجع،  اي مطلع العام 2016، وكل هذا يؤكد بأنّ ذلك التوقيع كان صورياً لا اكثر ولا اقل،  لان القلوب مليانة وكل هذا ادى الى القضاء اليوم على شعرة معاوية التي كانت قائمة وبصعوبة، وبالتالي ما جرى تخطى الحدود ، فيما كان المطلوب تأمين وحدة المسيحييّن، وضرورة الاتفاق في ما بينهم اقله على الامور الهامة، لكن الردود المتبادلة والمضادة قضت بدورها على آخر بند في تفاهم معراب وكسرت جرّته نهائياً.

واعتبرت المصادر المذكورة، بأنّ الموقف الشعبي المسيطرعلى المسيحيين، جرّاء الخلافات والسجالات ساهم بـ «قرفهم» من جديد، لان الوضع لم يعد مقبولاً فهم اعادوهم الى المربع الاول، والى سنوات جهدوا من اجل نسيانها، خصوصاً اهل الشهداء الذين سقطوا من دون أي هدف، لان ابناءهم لم يستشهدوا بسبب قضية وطنية بل من اجل المصالح الخاصة، والطرفان اظهرا الحقد الدفين هذه المرة بصورة علنية فاضحة، من خلال إعادة التذكير بعبارات الحرب الاليمة .

ورداً على سؤال حول عبارة «اوعى خيّك» ومدى واقعيتها اليوم بعد كل الذي جرى، إعتبرت المصادر عينها انّ هذه العبارة لم تكن واقعية في اي مرة، لان النتائج تؤكد بأنّ مصلحة الفريقين حين شربا الشمبانيا كانت خاصة ولم تكن عامة، او لمصلحة لبنان والمسيحيين اولاً، لافتة الى انّ الاحتقان موجود بقوة، لان مسؤولي الطرفين ولعّوا الشارع بتصريحاتهم، والدليل ما نشهده منذ ليل الاثنين من سباب وشتائم وحقد وضغينة، على مواقع التواصل الاجتماعي بين مناصريّ الطرفين، وفي الامس ولعت من جديد بعد تقديم الدعوى ضد القوات ورئيسها من قبل التيار، فضلاً عن تراشق كلامي خطير بين نوابهم على تويتر، واصفة ذلك بحرب الاخوة التي قضت قبل 30 عاماً على المسيحييّن، الذين إستبشروا خيراً لكن احباطهم اليوم لا يوصف، لانه وصل الى درجة القول : «ارحمونا» لاننا لم نعد نقوى على تحمّل اخطائكم، فعندما قمتم بحرب إلغاء تجاه بعضكم نحن مَن  تحمّل النتائج، وعندما شربتم كأس المصالحة كان علينا السير بخطتكم، واليوم عدتم الى الشجار وعلينا ان ندفع الثمن، مؤكدة بأنّ الساحة المسيحية لم تعد ترضى بالطرفين، لانها رافضة لكل هذا التناحر العبثي. ورأت بأنّ شعار «اوعى خيّك» لم يعد ينفع لانه سقط سقوطاً مدوياً، وهو قام على ركيزتين اولها انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وثانيها على تقاسم الحصص المسيحية مناصفةً، فقضى على اخر معالم الاحزاب المسيحية الاخرى التي باتت غير موجودة اليوم، لانّ القوات والتيار الوطني الحر هما الحزبين الوحيدين على الساحة المسيحية، والمطلوب إعادة ترميم كبيرة من قبل الفريقين، رحمة َبالمسيحييّن التواقين الى السلام، والعيش بكرامة في هذا الوطن المشلّع بفضل اغلبية سياسييّه، كما المطلوب وبسرعة قصوى إيجاد عاقل قادر على إزالة الاحتقان القواتي - العوني من الشارع، الذي سيُترجم قريباً في الجامعات عبر خلافات بين الطلاب، قد تتطوّر الى ما يُحمد عقباه .

 واملت هذه المصادر من سيّد بكركي البطريرك بشارة الراعي، توحيد كلمة المسيحيين في الملفات المصيرية، التي من شأنها إزالة الاخطار المحدقة بلبنان، خصوصاً انه يعمل على مواجهة تحديات كبرى، وهو مُدرك تماماً لحجمها، ورأت بأن الخلافات المتجذرة بين التيار والقوات ستجعل مهمة الراعي شاقة جداً هذه المرة، أي مصالحة حقيقية وجديّة، والمطلوب تأمين مناخ داخلي يتيح تأمين هذا التوافق بسرعة، لانّ الازمات المتتالية لها بُعد خطر كثيراً على المسيحيين.