ضرب وباء الانقسام والتشرذم غالبية الأحزاب اللبنانية، لعدم وجود مناعة داخلية، ولأنها أصيبت بأمراض الدكتاتورية والفردية والتسلّط وحب المال والسلطة، وقدمت أداء سيئاً، ظهرت نتائجه بمن وصل منها الى الحكم في لبنان، سواء في مجلس النواب أو الحكومة أو إدارات ومؤسسات الدولة، حيث الفساد عنوان مشترك لكل القوى السياسية والحزبية وإن بنسب متفاوتة. فثمّة سارق كبير وآخر متوسط والقلّة هم من حصلوا من ذيل المحاصصة والصفقات.

هذه الأحزاب من هو منها في السلطة أو خارجها وهي بالطبع أحزاب طوائف ومذاهب، فإنها أثبتت فشلها، كما الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية التي وضعت عقائدها خارج العمل النضالي والسياسي، وكانت تحالفاتها عكس مضمون فكرها المتنوّر والنهضوي والمتقدّم، لتخسر قواعدها ويتبدد أتباعها.

هذه المقدمة، تعكس واقع الأحزاب في لبنان، التي لم تعد تستقطب أجيالاً جديدة، الا الموروث منها عائلياً أو بيولوجياً، ولم يعد أيديولوجياً، فظهرت مجموعات تحدثت عن نفسها أنها تغييرية ورافضة للطبقة السياسية الحاكمة أو التي كانت من صميم النظام السياسي، ومنها ما أفرز ما سُمّي بـ «المجتمع المدني»، الذي له توصيفات عدّة.

وحزب البعث العربي الاشتراكي من الأحزاب العقائدية التاريخية في لبنان ونشأ في أربعينات القرن الماضي ووصل الى السلطة في العراق وسوريا، وأثبت حضوراً في دول عربية عدّة. هذا الحزب ضربته لوثة الانقسام في غالبية الأقطار العربية، ومنها لبنان، فانقسم البعث على نفسه بين قيادتي البعثيين في دمشق وبغداد، كما داخل القيادة الواحدة. وهو منذ سنوات بين قيادتين قطريتين الأولى برئاسة النائب السابق عاصم قانصوه والثانية برئاسة نعمان شلق الذي يحظى بتأييد من قيادة الحزب في سوريا ودعم السفير السوري علي عبد الكريم علي، الذي حاول جمع القيادتين ولم ينجح الا مرة واحدة، عندما أنهى انقساماً بين قيادة برئاسة سهيل القصار وأخرى برئاسة معين غازي، ثم تعيين نعمان شلق أميناً قطرياً ليرد عليه بانتخاب قانصوه أميناً قطرياً في مؤتمر.

هذا الانقسام البعثي عقدت اجتماعات ولقاءات بين قيادتيهما كما من قبل القيادة القطرية في سوريا التي مثّلها الدكتور هلال هلال، لكنها لم تتوصل الى تقريب وجهات النظر، تقول مصادر بعثية متابعة للانقسام وتداعياته وأشارت الى تدخل الرئيس بشار الأسد لتسهيل أية مبادرة لتوحيد صفوف البعثيين، الا أن التباعد كان يفصل بين الطرفين اللذين اجتمعا في مناسبة واحدة، بذكرى تأسيس حزب البعث قبل أكثر من عامين، ولعب السفير السوري دوراً في جمعهما لكن التقارب بينهما لم يتقدّم، تقول المصادر، اذ كان كل طرف يدعو الطرف الآخر الى التنازل، في ظل عدم اعتراف متبادل بينهما حول لمن هي الشرعية الحزبية.

ومع المراوحة في أزمة الانشقاق داخل البعث، وهو مرض مختلف الأحزاب، فان القيادة القطرية للحزب برئاسة قانصوه اتخذت قراراً بانعقاد المؤتمر العام في 20 تشرين الثاني من العام الحالي، تزامناً مع الاحتفال بذكرى الحركة التصحيحية، اذ يأتي هذا القرار بعد سلسلة اتصالات جرت مع القيادة السورية والقيادة القطرية لإبلاغهم بالتوجه نحو انعقاد المؤتمر الذي أرجئ من 3 حزيران الماضي، لأسباب صحية (وباء كورونا)، وأخرى تنظيمية لإفساح المجال لعقد مؤتمر موحد، كما يقول مصدر قيادي في حزب البعث برئاسة قانصوه لـ «الديار»، والذي يؤكد بأن القرار اتخذ وفق نضال الحزب الذي يؤكد على انعقاد المؤتمر القطري الحادي عشر كل أربع سنوات، ولا مجال لتأجيله، وان قرار انعقاده ليس مرتبطاً بالقيادة السورية التي نستأنس برأيها، ونتشاور معها لكن الحزب يتمتع باستقلاليته.

والعلاقة مع القيادة في سوريا ليست مقطوعة والتواصل قائم وزار وفد منذ أشهر ضريح الرئيس الراحل حافظ الأسد في القرداحة، ولاقى استقبالاً رسمياً وحفاوة يقول المصدر الذي ما زال يأمل أن ينضم جميع البعثيين الى مؤتمر واحد وتخرج منه قيادة موحّدة بإرادة البعثيين، واستنهاض الحزب من جديد ليلعب دوره مع كل القوى الوطنية والقومية وإخراج لبنان من أزمته التي سببها أن نظامه الطائفي.

ان قرار انعقاد المؤتمر اتخذ وبانتظار موقف الحزب التوأم.