يُواصل المسؤولون اللبنانيون خلافهم السياسي على تقاسم الحصص الوزارية في الحكومة الجديدة التي يُفترض أن تكون «حكومة مهمّة» تقوم بالإصلاحات المطلوبة من المجموعة الدولية والدول المانحة سريعاً، وبإنقاذ البلاد من الأزمات التي تزيد من وضعه الإقتصادي والمعيشي والإجتماعي سوءاً. وإذ تُشكّل المبادرة الفرنسية الفرصة الأخيرة أمامهم لانتشال البلاد من الإنهيار الشامل، لا يزالون يُبدّون مصالحهم الشخصية على مصلحة لبنان واللبنانيين، فالى أين سيتجه لبنان فيما لو سقطت هذه المبادرة؟

تقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّه على المسؤولين أن يعوا خطورة المأزق الذي سيجرّون لبنان إليه في حال لم يقدّموا بعض التنازلات فيما يتعلّق بالحصص الوزارية التي يتمسّكون بها، لأنّ سقوط المبادرة الفرنسية يعني أموراً عدّة أبرزها:

1- عدم عقد المؤتمر الدولي لحلّ الأزمة السياسية في لبنان الذي ينوي الرئيس الفرنسي الدعوة إليه في أواخر تشرين الأول المقبل، لأنّه يشترط أن تكون الحكومة الجديدة قد أبصرت النور.

2- عدم عودة الرئيس ماكرون الى لبنان في زيارة ثالثة في كانون الأول المقبل لإعطاء المزيد من الدعم لهذا البلد كونه تخلّى عن الفرصة الدولية التي منحه إيّاها رغم كلّ الأزمات التي يُعاني منها.

3- عدم استمرار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وعدم الحصول بالتالي على قروض مؤتمر «سيدر» التي من شأنها إنقاذ الوضع النقدي والإقتصادي نوعاً ما في المرحلة الراهنة. فأموال «سيدر» من شأنها تمرير هذه المرحلة بشكل أفضل ممّا هو عليه اليوم.

4- ازدياد سلسلة العقوبات الأميركية على لبنان تِباعاً، إلاّ إذا جرى تحييد وزراء محسوبين على «حزب الله» عن الحكومة الجديدة، على ما تودّ الولايات المتحدة الأميركية. علماً بأنّها لن تُلغى بالكامل حتى ولو تشكّلت الحكومة التي تطمح إليها، سيما وأنّ الإدارة الأميركية قد وضعت أسماء جميع المؤسسات والشركات والشخصيات التي تودّ معاقبتها على اللائحة، وإن لم يتمّ الإعلان عنها دفعة واحدة.

5- إمكانية إثارة الفتنة الطائفية وعودة الحرب الى لبنان بين جميع شرائح الشعب اللبناني، وإن بشكل آخر يختلف عمّا كان عليه خلال الحرب التي سُميت أهلية، ودامت نحو 15 عاماً. هذه الحرب التي من شأنها هذه المرّة القضاء نهائياً على «العيش المشترك» الذي يتغنّى لبنان بوجوده بين الـ 18 طائفة التي يتكوّن منها، والذي لطالما اعتُبر نموذجاً له في منطقة الشرق الأوسط.

6- إزدياد عمليات السرقة والعنف والقتل، وحتى العمليات الإرهابية بسبب ارتفاع نسبة الفقر والجوع والبطالة، ليس فقط بين اللبنانيين، إنّما أيضاً داخل المخيمات الفلسطينية وخيم اللاجئين السوريين رغم حصول هؤلاء على المساعدات من قبل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين العاملة في لبنان، خصوصاً وأنّ الوضع الإقتصادي المتردّي يؤثّر سلباً على الجميع. كما أنّ المساعدات الدولية لم تعد كافية إذ لا تفي جميع الدول بوعودها من جهة، كما أنّ حريق 10 أيلول الأخير في مرفأ بيروت قد قضى على عدد كبير من هذه المساعدات المخزّنة في العنابر.

وبرأيها، إنّ كلّ هذه الأمور من شأنها حثّ المسؤولين السياسيين على التوافق على المبادرة الفرنسية التي وافقوا عليها في حضور الرئيس ماكرون في قصر الصنوبر في لبنان، ولم يُبدوا أي اعتراض على بنودها.

وأكّدت بأنّ الرئيس الفرنسي مصرّ على عدم سقوط المبادرة الفرنسية، لأنّ حصول ذلك لا سمح الله، يُشكّل ضربة قاضية ليس فقط لفرنسا، إنّما للبنان المُراقب من قبل المجتمع الدولي وينتظر أن يستعيد الثقة به. كما أنّ ماكرون سبق له وأعلن من لبنان أنّ عدم التزام المسؤولين بالمبادرة هو دليل على فشلهم هم، وأنّه سوف ينقل ذلك الى المجتمع الدولي. وهذا يعني أنّه سيتحدّث عن فشل المسؤولين اللبنانيين بالتوافق فيما بينهم على حكومة جديدة، وعلى تحقيق الإصلاحات في البلاد، وليس عن فشله هو شخصيّاً، خصوصاً وأنّه قام بما يستطيع وبذل الجهود الكافية ولا يزال يُطيل مهلة الفرصة المتاحة أمامهم ليخرجوا بحلول ناجعة.

ويثق ماكرون، بحسب الأوساط نفسها، بأنّ المعنيين سيُظهرون وعيهم للمسؤولية الملقاة على عاتقهم، وسيجدون الحلّ المناسب لتشكيل الحكومة قريباً، وللإنطلاق بإنجاز الإصلاحات. أمّا المؤتمر الدولي الموعود في تشرين الأول المقبل، فيأتي لاستكمال ما سيتمّ التوافق عليه فيما بين المسؤولين أنفسهم. وفي حال وجد هؤلاء أنّ أديب لن يتمكّن من تشكيل الحكومة الجديدة، وأنّ الرئيس الأسبق سعد الحريري بإمكانه القيام بهذه المهمّة ضمن تسوية داخلية، فلا يُمانع من اعتذار أديب، شرط أن يكون السياسيون والشعب اللبناني راضين عن هذه العودة وواثقين من قدرة حكومة الحريري الجديدة على المضي قُدماً في تحقيق خارطة الطريق الموضوعة للبنان.