ريجيس دوبريه،  المفكر الفرنسي ورفيق تشي غيفارا في غابات بوليفيا،  هاله كتاب جان ـ جاك سرفان ـ شرايبر «التحدي الأميركي»،  وقد حثّ فيه على التبعية السياسية، والتبعية التكنولوجية،  وحتى التبعية الثقافية،  للولايات المتحدة.  سأل «لماذا يفترض أن نبقى القهرمانات في البلاط الأميركي ؟».

وقال «نحن صنعنا أميركا التي ما لبثت أن تقمصت شخصية أوديب وهو يغتصب أمه قبل أن يفقأ عينيه». وصف مبدأ مونرو (1823) بأنه نتاج عقل أقرب ما يكون الى عقل البطة العمياء، ليس فقط البطة العرجاء.

حتى الروائي الألماني غانتر غراس كتب «لقد ضقنا ذرعاً بأميركا، وهي تجر دولنا كما عربات القطار».  تساءل ما اذا كان الهوت دوغ، والكوكا كولا، وسراويل الجينز أكثر تعبيراً عن العبقرية البشرية من فاغنر، وكانط، وهيغل، وماركس، وبيتهوفن، ومان. وكلهم جزء من الشخصية الألمانية. 

شيء ما يحدث في القارة العجوز. المواقف تشي بشيء ما يمكن وصفه بـ «الثورة ضد الاحتلال الأميركي».  اذ أشار الى دور فرنسا في تحرير أميركا من السيطرة البريطانية، دعا الى التحرر من «عقدة النورماندي»، اذ لولا أوروبا التي امتصت الكثير من جنون أدولف هتلر لكان أحد أبناء الفوهرر... ملكاً في البيت الأبيض.

الفرنسيون، والألمان، والبريطانيون (من يصدق ؟)، امتنعوا عن التصويت على مشروع القرار الأميركي بفرض حظر الأسلحة على ايران بعد انتهاء المدة التي حددها اتفاق فيينا، كون القرار اهانة لهم، كما يشكل الخروج منه انتهاكاً للمواثيق، والأعراف، الدولية.

ليس هذا فقط. الدول الثلاث تقف الآن في وجه القرار الأميركي اتخاذ اجراءات عقابية ضد الحكومات التي تبيع السلاح الى ايران. باريس ولندن وبرلين رأت أن الولايات المتحدة تستأثر بـ85 في المئة من مبيعات الأسلحة الى الشرق الأوسط، ومناطق أخرى. 

هذا لا يعني فقط أن المصانع الأوروبية بدأت تعاني من التعثر، بل ان ذلك يفضي الى خفض الاعتمادات الخاصة بالتطوير التكنولوجي. تالياً، الخروج من السوق العالمية، وحصول تدهور دراماتيكي في مستوى الحياة.  

الفرنسيون يتهمون دونالد ترامب باعطاء الضوء الأخضر لرجب طيب اردوغان لكي يبعث بقواته الى ليبيا، ولكي ينقب عن النفط في مناطق متنازع عليها شرق المتوسط، مقابل خدمات استراتيجية،  وتكتيكية، في الشرق الأوسط. وحين هددت باريس بحصار الأسطول التركي، سارع اردوغان الى سحب سفينة التنقيب.

ايمانويل ماكرون الذي لاحظ مدى النرجسية (والغطرسة) في شخصية دونالد ترامب بشعار «أميركا العظمى»، على أن تدفع الدول الأعضاء في حلف الأطلسي الجزية الى الخزينة الأميركية، دعا الى انشاء جيش أوروبي منفصل عن الحلف. 

هذا أحدث هزة هيستيرية لدى الرئيس الأميركي الذي هدد بعقوبات قاتلة، وهاجم المستشارة الألمانية بعبارات تفتقد الحد الأدنى من اللياقة، بحجة غزو السيارات الألمانية للسوق الأميركية. 

من الصعب الرهان على الانفكاك بين ضفتي الأطلسي. لكن سياسات البيت الأبيض جعلت الدول الأوروبية الكبرى تشعر بأنها لم تعد شيئاً في لعبة القرن. لاحظت كيف أن ترامب التف على جوهر الأزمة في الشرق الأوسط. شيء ما يشبه الكرنفال الديبلوماسي بوضع الملف الفلسطيني في الثلاجة. ثلاجة النار. 

الأوروبيون الخائفون على مستقبلهم بدأوا يفكرون بالمال الصيني. اذاً، رقصة الفالس مع التنين. الصين بحاجة الى الأدمغة الأوروبية، كما الى الأسواق الأوروبية، ناهيك بمحاولة تحييد القارة العجوز عن صراع الباسيفيك.

بعد كلام ناثان سيلز، منسق مكافحة الارهاب في وزارة الخارجية الأميركية، عن انشاء «حزب الله» مخابئ للأمونيوم في ست دول أوروبية، نفت فرنسا ذلك. للتو سأل أحد معلقي «فوكس نيوز» ما اذا كان الاليزيه «يعمل لحساب نصرالله».

أوروبا ضد أميركا ؟ بداية ثورة.