محمد علوش


أثبتت الأيام الماضية أن الساحة اللبنانية محكومة بقرارات عدة دول، ولا يمكن لدولة واحدة أن تتحكم باللعبة السياسية في لبنان، حتى ولو كانت فرنسا، وحتى ولو أوحت بأنها تحظى بدعم اميركي، فالإدارة الأميركية التي أعطت الفرنسي الضوء الأخضر للتحرك في لبنان، رسمت له حدودا لا يمكن تخطيها، ولكن هل تستسلم فرنسا؟

ضُربت الرئاسة الفرنسية مرتين في لبنان بظرف أيام قليلة، المرة الأولى عندما حاول البعض تحميل إيمانويل ماكرون ما لم يقله ولم يطلبه، وتحوير مبادرته لأجل حسابات سياسية لبنانية وخارجية، والمرّة الثانية كانت بعد تلك الليلة الشهيرة التي اتفق فيها الفرنسي مع حركة امل وحزب الله على مبادرة تحل عقدة وزارة المالية، بحيث يستلمها شيعي يتم تسميته من قبل الثنائي عبر لائحة أسماء يختار منها الفرنسي إسما، فعارضها رؤساء الحكومات السابقون.

مدّد الفرنسي المهلة الاولى التي أعطاها للبنانيين لتشكيل حكومتهم لأنه لا يريد الفشل، ووسط الحديث عن تمديد آخر، تؤكد مصادر سياسية لبنانية أن الإدارة الفرنسية لم تبذل كل الجهود لتدخل لبنان لأجل الخروج منه خالية الوفاض، وبالتالي حتى ولو اعتذر مصطفى اديب عن تولي مهمة تشكيل الحكومة، فإن الفرنسي لن يتخلى عن مهمته هنا، وسيعود ولو بصورة مختلفة الى محاولة المشاركة في صنع القرار، تمهيدا للدخول في صلب الحياة الاقتصادية اللبنانية عبر الطاقة، الاتصالات، المرفأ، والمطار والنفط والغاز.

تشير المصادر الى أن استراتيجية الخطوة الفرنسية في لبنان تؤكد أنه لن يتراجع عن اهدافه بسهولة، ولو تطلب الأمر فشل اكثر من مبادرة، خصوصا ان الرئيس الفرنسي أصبح يعلم أن الساحة اللبنانية لن تكون متاحة له بسهولة، وعليه أن يقدّم التضحيات في سبيل ذلك، مشددة على أن الفرنسي الذي قال كلاما واضحا بشأن الشرق الأوسط وما يجري فيه من معارك على النفوذ، تمهيدا للسيطرة على عمليات بيع الغاز فيه، لن ينسحب.

وعليه، إن فشل المبادرة الفرنسية سيؤدي الى نتيجتين بحسب المصادر:

ـ الاولى وهي أن الضغط على لبنان سيزداد، والوضع الإقتصادي سيسوء، لأن دولارات المصرف المركزي ستنتهي، والدعم سيتوقف عن أغلب السلع في نهاية تشرين الاول بحسب كل التوقعات، كما أن أزمة الأدوية ستنفجر في شهر تشرين الاول أيضا، خصوصا وأن كل التحذيرات في هذا الإطار لا تؤخذ بعين الإعتبار من قبل المعنيين، لتُضاف هذه الأزمات الى كارثة الكورونا التي تفتك بجسد المجتمع اللبناني وستصل قريبا الى الذروة حيث تُفقد أسرة العناية المركزة في المستشفيات.

وتشير المصادر الى أن هذه الأزمة ستبرز الى العلن من خلال ارتفاع تدريجي لسعر صرف الدولار، يُعيدنا الى أسوأ مرحلة مر بها البلد منذ أشهر، لأن مدخرات الناس التي صُرفت في الأشهر الاخيرة انتهت، وعندها سيزداد الجوع، ومعه كل التداعيات الاجتماعية من سرقات وقتل ونهب وفوضى.

ـ أما النتيجة الثانية، فهي سياسية، فالكباش السياسي الذي رافق المبادرة الفرنسية سيعيد خلط الأوراق، خصوصا بعد ان وجد الفريق الشيعي نفسه محاصرا من الخصوم والحلفاء، ومن كان يُفترض بهم أن يكونوا الى جانبه بمحاربة محاولات تهميشه، تركوه وحيدا، وعليه لن تبقى الأوضاع السياسية كما كانت سابقا، كذلك الفشل يعني إعادة تعويم حكومة تصريف الاعمال، اذ يمكن القول أن الفشل سيعني انتظار تداعيات الانتخابات الاميركية في تشرين الثاني المقبل، وتشير المصادر الى أن الإنتظار سيكون طويلا، لأن لبنان لا يقع على رأس قائمة أولويات الدول المؤثرة في المنطقة، لذلك يمكن القول بخلاصة الموضوع أن لبنان يتجه الى وضع سيىء أكثر من قبل، بانتظار فرج ما، ولكن بكل تأكيد فإن الفرنسي لن يستسلم بسهولة من إنجاح مشروعه في لبنان والمنطقة.