ناريمان شلالا

بدا المشهد بين السياسيين اللبنانيين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة للبنان، «سمن على عسل». تُرجم التوافق والوصال والوداد بين الطرفين، بعدم تمسّك أيًّا من الأحزاب اللبنانية بحقيبة وزارية، وذلك تسهيلا لعمليّة التأليف وللمباشرة بخطّة استنهاض البلد من أزمته الصعبة. استبشر الشعب اللبناني خيرًا، وتأمّل بأن تصطلح الأحوال التي تستنفد قواه في التحمُّل. إلى أن برزت معضلة وزارة الماليّة، لتدفع بمهلة الخمسة عشر يومًا، وهي المهلة الزمنيّة التي حدّدتها فرنسا لتأليف الحكومة، إلى أجلٍ غير محدّد. فما هو الموقف الفرنسي الذي أعلن نفسه «عرّابًا» لإنقاذ لبنان؟

يؤكّد الخبير الاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان، مؤسس ورئيس مجلس إدارة «أكسيس كابيتال» لبنان، أنّ فرنسا لن يطول إنتظارها للقوى اللبنانية إلى أن تتوافق فيما بينها، وقد ألمح الرئيس ماكرون إلى إحتمال فرض عقوبات أوروبية على السياسيين اللبنانيين بحال أخفقوا في تشكيل حكومة.

وعلى الرغم من اعتقاد كثيرين، بأنّ العقوبات الأميركيّة ستكون ورقة الضّغط التي ستلوّح بها فرنسا بحال خولفت أوامرها، ولكن حتّى الساعة، لا تطوّرات. في هذا الإطار، يعتبر أبو سليمان، أنّ سلوك الإدارة الأميركية مُنفصل عن سلوك نظيرتها الفرنسية، وأنّ المبادرة الفرنسية لم تُشكّل رادعاً لخطّة العقوبات الأميركية، وقد تجلّى ذلك من خلال إدراج الوزيرين السابقين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل على لائحة العقوبات.

إن امتصّت الدبلوماسيّة الفرنسيّة شرارة العقوبات، هل ستنجح في تليين موقف الثنائي الشيعي وحلّ إشكاليّة حقيبة الماليّة؟ يرى ابو سليمان، أنّ الثنائي الشيعي متمسّك بحقيبة الماليّة لأنّها تحمل التوقيع الثالث في الحكومة، إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية وتوقيع رئيس الحكومة، وتحفظ الميثاقية. ويشرح أنّ هذه الحقيبة هي أساسيّة، وذات كيان شبه مستقل، كونها تدفع الرواتب وموازنات الرئاسات والوزارات الأخرى. غير أنّه وفي ظلّ تردّي الأوضاع في البلد، يتخوّف أبو سليمان من أن تصبح كل التواقيع غير لازمة إذا فشلت المبادرة الفرنسية.

عن أزمة البلاد الماليّة والاقتصاديّة وازديادها سوءًا، يقول، أنّ خطّة التعافي التي وضعتها الحكومة السابقة قد فشلت، بسبب عدم الاتّفاق على حجم الخسائر وكيفية توزيعها بشكل عادل بين الأطراف الأساسية، وهي الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي. ويرى أنّ إقحام مجلس النواب في هذا الموضوع، كطرف وليس كمراقب، هو ما زاد من حدّة التجاذبات والعرقلة.

ويلفت إلى أنّ الأرقام التي قدّمتها خطة التعافي اتّسمت بالشمولية، ولم تكن مفصّلة، لكنّها حدّدت الخسائر في القطاع المصرفي، بسبب الانكشاف على الدين السيادي والقروض المتعثّرة وشهادات الإيداع الموجودة في مصرف لبنان. كذلك أشارت الأرقام إلى الخسائر التي تكبّدها مصرف لبنان، والنّاجمة عن الهندسات المالية وعن تثبيت سعر الصرف والاستيراد، ويجب أن تكون هذه الأرقام وتفاصيلها في متناول الجميع، لاسيّما المودعين الذين يتكبدون الخسائر بشكل مباشر، ولهم الحق في الإطلاع على كيفيّة صرف أموالهم.

ويتأمّل بأن لا يصطدم التدقيق الجنائي بالسرّية المصرفية، وأن يتمكّن من كشف «كيف صُرفت الأموال». ويشدّد على ضرورة أن يشمل التدقيق كافة المؤسسات، وفي طليعتها مصرف لبنان، كونه تكبّد الحجم الأكبر من الخسائر. ويشير إلى أنّ التدقيق في مصرف لبنان لا بدّ من أن يشمل كل حسابات المصارف والمؤسسات العامة. ويخشى من أن تكون مهلة الأسابيع العشرة الممنوحة لشركات التدقيق، مهلة قصيرة جدًّا، والتقرير الأوّلي لا يسمح بوضع تفاصيل دقيقة.

عن الإجراءات الواجب إعادتها إلى مسارها والمباشرة بتنفيذها قبل فوات الأوان، يولي أبو سليمان الأولوية، إلى عودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ما سيسمح للحكومة بالقيام بالإصلاحات المطلوبة، ومنها توحيد سعر الصرف وتحديد الخسائر في القطاع المصرفي والكهرباء والقطاع العام. كما يتوقّف عند ضرورة ترشيد الدعم الذي يقوم به مصرف لبنان، لأنّ أي رفع مفاجىء سيحمل تداعيات إقتصادية خطيرة، لجهة إرتفاع البطالة والفقر وانخفاض القدرة الشرائية ومزيد من تدهور قيمة العملة الوطنية، بسبب ارتفاع الطلب على الدولار في السوق السوداء لإستيراد القمح والدواء والفيول والسلّة الغذائية.