في 31 آب الماضي كلّف رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون الدُكتور مُصطفى أديب مهمّة تشكيل حُكومة جديدة، بعد نيله دعمًا نيابيًا واسعًا. وقد مرّ حتى تاريخه أكثر من ثلاثة أسابيع من دون أن تُبصر الحُكومة المَوعودة النُور، ومن دون أن يعتذر رئيس الحُكومة المُكلّف عن مهمّة التأليف. فهل صحيح أنّ نهاية الأسبوع الحالي ستحمل واحدًا من خيارين: إمّا ولادة الحُكومة الجديدة أو إعتذار أديب؟

بحسب أوساط سياسيّة مُتابعة لمُفاوضات تشكيل الحُكومة، لا ولادة للحُكومة هذا الأسبوع، ولا إعتذار للدُكتور أديب الذي أصدر بيانًا أكّد فيه مُضيّه بعمليّة تشكيل حُكومة تُرضي جميع اللبنانيّين وتعمل على تنفيذ المُبادرة الفرنسيّة! وقالت إنّ حلّ العقبات التي تُواجه الحُكومة يتطلّب المزيد من الإتصالات، ولا يُمكن أن يحصل خلال أيّام قليلة، مُشيرة في الوقت عينه إلى أنّ إعتذار رئيس الحُكومة المُكلّف مُصطفى أديب غير وارد أقلّه في المرحلة الحاليّة، ليس لإفتقار الدُكتور أديب لجرأة التخلّي عن السُلطة، بل لأنّ المُواكبة الدَوليّة، وتحديدًا الفرنسيّة، للجُهود المحليّة لتشكيل الحُكومة، تنطلق من إصرار حازم على مُتابعة مُحاولات تجاوز العقبات، الواحدة تلو الأخرى، وعلى تعبيد الطريق أمام ولادة الحُكومة المَوعودة في أسرع وقت مُمكن. ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ مذهب وزير المال، والجهة التي ستُعيّنه، لا يُمثّلان العقبة الوحيدة أمام ولادة الحُكومة، لكنّ حلّ هذه العقبة ومن بعدها حلّ التمثيل الشيعي ككلّ داخل السُلطة التنفيذيّة، سيفتح الباب أمام تذليل باقي العقبات تباعًا، وسيُقرّب موعد ولادة الحُكومة أكثر فأكثر. وأشارت إلى وُجود معركة صلاحيّات بموازاة عقدة التمثيل الشيعي، وهو ما تظهّر في البيان الصادر عن المكتب الإعلامي في القصر الجُمهوري والذي أكّد أنّ الرئيس معني بالمُباشر بتشكيل الحُكومة وإصدار مرسوم التشكيل بالإتفاق مع رئيس الحُكومة المُكلّف، وكذلك في أولى ردّات الفعل غير الرسميّة الصادرة عن «الثنائي الشيعي» على مُبادرة رئيس «تيّار المُستقبل» النائب سعد الحريري.

وأشارت الأوساط السياسيّة نفسها إلى أنّه إذا كان رئيس الحُكومة المُكلّف يرغب بتشكيل حُكومة مُصغّرة وخالية من السياسيّين، بمهمّة إنقاذيّة إصلاحيّة حصرًا، فإنّ من خلفه، وتحديدًا «تيّار المُستقبل» ورؤساء الحُكومة السابقين، ينطلقون في مُقاربتهم للموضوع من خلفيّات أبعد من خلوّ الحُكومة من الوُجود السياسي الفاعل، تتمثّل في ضرورة إبعاد «حزب الله» و«التيّار الوطني الحُرّ» عن السُلطة التنفيذيّة، والدفع بلبنان نحو الحياد. وتابعت الأوساط أنّ من يُفاوض بإسم الدُكتور أديب يستفيد من عامل الضغط الخارجي، ومن عامل ضيق الوقت أمام وضع لبنان على سكّة الإنقاذ قبل الإنهيار الشامل، لتعزيز موقفه التفاوضي.

ولفتت الأوساط السياسيّة نفسها إلى أنّ التوجّه المُقابل على خطّ تشكيل الحُكومة يتمثّل بتمسّك «الثنائي الشيعي» بوزارة المال، وبالتمثيل الشيعي في الحُكومة، لإعتبارات خاصة بالتركيبة الطائفيّة والمذهبيّة في لبنان، وخُصوصًا بسبب رفض إخراج الطائفة الشيعيّة من المُعادلة السياسيّة، في ظلّ بقاء أهمّ المناصب بأيدي باقي الطوائف والمذاهب، علمًا أنّ الطائفة المَذكورة تتعرّض لحصار إقتصادي أميركي ولحملات إعلاميّة شرسة من أكثر من جهة، الأمر الذي زاد قياداتها تمسّكًا بمطالبهم الحُكوميّة، وذلك للتمكّن من الدفاع عن الثوابت التي يتبنّاها «الثُنائي»، بشكل أكبر، ومن داخل السُلطة التنفيذيّة.

ورأت الأوساط أنّ رئيس الجُمهوريّة العماد ميشال عون - ومن خلفه «التيّار الوطني الحُرّ»، يتحرّكان من مُقاربة ثالثة للموضوع الحُكومي، تتمثّل بضرورة إنطلاق العمل مع حُكومة جديدة بدون إضاعة المزيد من الوقت، في مُحاولة لإنقاذ الثلث الثالث والأخير من العهد الرئاسي. وتابعت أنّ رئيس الجُمهوريّة لا يريد تبنّي مطالب «تيّار المُستقبل»، لكنّه في الوقت عينه لا يريد تبنّي مطالب «الثنائي الشيعي» والتعرّض لأيّ عُقوبات خارجيّة. وأوضحت الأوساط نفسها أنّه من هذا المُنطلق، يُحاول رئيس الجمهوريّة العمل على تدوير الزوايا، تجنّبًا لهدر المزيد من الوقت ومنعًا للتسبّب بأزمة سياسيّة - دُستوريّة كُبرى جديدة في البلاد. ولفتت إلى أنّ مُحاولات جرت للترويج لأنّ تكون وزارة المال من حصّة رئيس الجمهوريّة، ولأنّ يضمن العماد عون شخصيًا حُقوق الطائفة الشيعيّة سياسيًا ودُستوريًا، ولأن يتم تسليم الوزارات الأساسيّة لطوائف ولمذاهب أخرى، وتحديدًا للمذاهب الصُغرى، لكنّ كل هذه الإقتراحات سقطت، في إنتظار أن تتضح الصُورة من الإقتراح الذي تقدّم به أخيرًا رئيس «تيّار المُستقبل» النائب سعد الحريري.

وإذ لفتت الأوساط السياسيّة المُتابعة لمُفاوضات تشكيل الحُكومة، أنّ الحماوة الداخليّة في لبنان تترافق مع إحتدام الصراع بين واشنطن وطهران، تخوّفت من أن يكون هذا الأمر سببًا إضافيًا للمُماطلة على خطّ التشكيل، في إنتظار ظُهور نتائج الإنتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، خاصة في ظلّ تراجع ملحوظ ولوّ طفيف، لحُظوظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالفوز بولاية ثانية، بحسب أحدث إستطلاعات رأي تمهيديّة، وذلك قبل شهر ونصف من موعد إجراء الإنتخابات.

وختمت كلامها بتوقّع أنّ يتمّ في نهاية المطاف، الرضوخ لمطالب «الثنائي الشيعي»، عبر تخريجة تنال الموافقة الأجنبيّة لكن تتمّ وفق الأسلوب اللبناني المَعهود، أيّ مثلاً عبر قيام «الثنائي الشيعي» برفع سلسلة أسماء للتوزير، على أن يتم الإختيار من بينها، لحلّ المُشكلة.

اديب : أحرص على تشكيل حكومة إختصاصيين ترضي الجميع وتنفذ المبادرة الفرنسية

أكد رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب حرصه على تشكيل حكومة مهمة ترضي جميع اللبنانيين وتعمل على تنفيذ ما جاء في المبادرة الفرنسية من اصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية وافقت عليها جميع الاطراف.

وقال أديب في بيان انه آل على نفسه التزام الصمت طوال هذه الفترة من عملية تشكيل الحكومة، تحسساً منه بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه ومن اجل الوصول الى تقديم تشكيلة بالتشاور مع رئيس الجمهورية ضمن الأطر الدستورية، تساعد اللبنانيين على وضع حد لآلامهم اليومية.

وأكد أديب مجددا التزامه بالثوابت التي اطلقها في ان تكون الحكومة من ذوي الاختصاص واصحاب الكفاءة القادرين على نيل ثقة الداخل كما المجتمعين العربي والدولي، لأن من شأن ذلك ان يفتح الباب امام حصول لبنان على الدعم الخارجي الضروري لانتشال الاقتصاد من الغرق.

وتمنى على الجميع التعاون لمصلحة لبنان وابنائه وتلقف فرصة انقاذ الوطن.