ليست المرة الاولى التي يتخذ فيها رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري قرارات توحي برغبة بـ «الانتحار سياسيا». هو نفسه يدرك ان القرار الذي اتخذه اخيرا لجهة موافقته على تولي شخصية شيعية حقيبة المالية رضوخا لمطلب «الثنائي الشيعي» اشبه بالاقدام على الانتحار بتجرع السم. تطول لائحة التنازلات التي قدمها الحريري منذ العام 2005 وحتى يومنا هذا، وتكاد لا تعد ولا تحصى. وليس خافيا على احد انه كان لها الاثر الكبير في تراجع شعبية «المستقبل» وكسر الزعامة الاحادية على الساحة السنية وصولا لتشتيتها مؤخرا خاصة بعد تولي حسان دياب رئاسة الحكومة وتكليف مصطفى اديب بالمهمة حاليا.

ادرك الحريري حين قرر تلبية الرغبة الفرنسية باحداث خرق في جدار الازمة الحكومية ان رؤساء الحكومات السابقين الآخرين لن يجاروه، كما ادرك انه على موعد مع مزيد من التقلص بشعبيته ومع حملة كبيرة عليه تصفه بـ «الضعيف» والخاضع لمشيئة ورغبة «الثنائي الشيعي». اصلا علاقة الحريري بـ «الثنائي» وبخاصة برئيس حركة «أمل» نبيه بري لطالما طرحت اكثر من علامة استفهام. فاذا كان تنازله في اكثر من مرة بما بدا انه يصب في مصلحة حزب الله رده الحريري باطار مسعاه تحقيق المصلحة الوطنية العليا وتأمين الاستقرار الداخلي وتجنيب البلد الفتنة السنية- الشيعية، فان الرابط بينه وبين بري يبدو ابعد من الحلف تماما كما هو الرابط بين بري ورئيس «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط. اولم يسقط بري حكومة حسان دياب بالضربة القاضية ظنا منه بأن طريق الحريري معبدة للعودة الى السراي الحكومي؟ اولم يعده بلبن العصفور لضمان موافقته على رئاسة الحكومة؟

لا شك ان وضع الحريري سياسيا ليس الافضل في المرحلة الحالية، تماما كما هي حال معظم قيادات الصف الاول التي يبدو واضحا انها تقود القطار الى الهاوية بغياب المكابح. فأيا كانت التنازلات السياسية التي ستقدمها او اعادة النظر ببعض المواقف التي قد تقوم بها فهي متأخرة جدا بالطريق الى «جهنم» ولا شك انها لن تزيد على رصيدها الشعبي المتآكل.

وبحسب مصادر «الثنائي الشيعي» فان التنازل الذي قام به الحريري والذي يبقى ناقصا في حال عدم اقراره بحق «الثنائي» باقتراح اسماء لتولي المالية وغيرها من الوزارات من حصته، أدانه واثبت ما كنا نردده عن سطوة رؤساء الحكومات السابقين على عملية تشكيل الحكومة، وبأن لا كلمة للرئيس المكلف بالموضوع انما لهؤلاء الذين يخضع بعضهم لاملاءات اميركية. وتستغرب المصادر في حديث لـ «الديار» تصوير تنازل الحريري كانجاز وطني وتصوير تمسك «الثنائي» بـ «المالية» كـ «انانية مذهبية وطائفية» مضيفة : «تصوير الموضوع بهذه الطريقة هدفه تبسيطه وتسخيفه علما ان ما نحن بصدده معركة وجودية واستكمال لمخطط وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو الهادف لعزل حزب الله بهدف كسره.. فهل نتنازل عن المالية في خضم العقوبات الاميركية التي توسعت لتطال حلفاء حزب الله فننكسر بزمن السلم ونحن لم ننكسر في أقصى ايام الحرب؟!».

وفي حين تؤكد المصادر تمسكها باقتراح الاسماء لتولي «المالية» تقر باحداث اقتراح الحريري خرقا اساسيا في جدار الازمة، لافتة الى انه «لو بقيت الامور على ما كانت عليه قبل مساء الثلاثاء، فان التوجه كان لاعادة تفعيل حكومة الرئيس حسان دياب. لكن يبدو ان الفرنسيين لم يستسلموا رغم سقوط المهل التي اعلنها الرئيس ايمانويل ماكرون، وقد تداولوا مع الحريري المخرج الذي طرحه والذي يحتاج برأينا لبعض التعديلات التي نستبعد ان ترفضها باريس التي تدفع بكل قوتها للتشكيل لان اخفاقها في الملف سيسجل اخفاقا لماكرون لا يخدمه في الداخل الفرنسي اضف انه يؤثر على موقفه امام الاميركيين الذين يتصدون بشكل او بآخر لسياسته في لبنان وتجاه حزب الله».