يُطرح أكثر من سؤال حول ما جرى من صفقات إقليمية ودولية وتسويات في الخفاء كي يعود الرئيس سعد الحريري إلى السراي الحكومي ضمن هذه التسوية أو هذا التوافق، بعدما انقطعت كل الخطوط بينه وبين بعبدا وميرنا الشالوحي، ولكن تكشف جهات سياسية فاعلة أن الإتصالات الفرنسية كان لها دورها بغية إقناع رئيس الجمهورية ميشال عون بالقبول بالحريري كرئيس للحكومة المقبلة، ومن الطبيعي أن ذلك يأتي في سياق سلّة متكاملة بين بعبدا وبيت الوسط، والأمر عينه على خط حزب الله لأنه لا يمكن للحريري أن يكلّف مجدداً دون موافقة «الثنائي الشيعي» ولا سيما حزب الله، وبالمحصلة أنهما كانا أساساً يرغبان بعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، ولطالما حاولا إقناعه، ولكن الظروف لم تكن متاحة في تلك المرحلة بالنسبة للحريري كما في المرحلة الحالية.

وبمعنى أوضح، تؤكد المعلومات أن الفرنسيين أكدوا للحريري أنهم سيشكلون له مع الدول المانحة ضمانة في تسهيل مهامه، وأن تكون هناك حكومة متجانسة لتحقيق الإصلاح وإنقاذ البلد من خلال تحرير أموال «سيدر»، ومن ثم عقد مؤتمر دولي تشارك فيه سائر الدول المانحة، وأيضاً، فإن فرنسا ستشكل رافعة لهذا المؤتمر كي يحصل لبنان على مبلغ يساهم في إعادة تحريك عجلة الإقتصاد، أو بالحد الأدنى وقف الإنهيار المالي، على أن تكون هناك خطوات أخرى في عمليات البناء وإعادة تجهيز المرفأ ومؤسسات الدولة، ومن ثم عقد مؤتمر وطني تشارك فيه الزعامات والمرجعيات السياسية، يتناول كل الأهداف الآيلة إلى إعادة الهيبة إلى السلطة اللبنانية على مستوى السلاح ودور المؤسسات وكافة القطاعات الأمنية، وبالتالي، صياغة قانون انتخابي وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وإذا احتاج الأمر القيام بتعديلات دستورية، والإتفاق على الإستراتيجية الدفاعية بضمانة دولية.

من هذا المنطلق، قَبِل الحريري هذه المهمة، ولكن في المقابل، فإن الفرنسيين تمنوا عليه السير بحكومة تكنو ـ سياسية، على أن تشترك فيها بعض الأطراف والمكوّنات السياسية وبعض الأحزاب، ولكن عبر وزراء من المقربين منهم ويتمتعون بسيرة حسنة ووازنة، ولا يشكّلون أي استفزاز لأحد، ومن هنا، انطلق الحريري بالإتصالات التي ستشمل الجميع كي يأتي موعد الإستشارات النيابية الملزمة في حال بقي في موعده المحدّد، ممهّداً الأرضية المطلوبة لعملية التكليف، ومن ثم التأليف، الذي هو الأساس، مما يؤكد العودة إلى رغبة رئيس الجمهورية، الذي يشدّد على ضرورة الحسم حول شكل الحكومة ودورها ولونها وعملها وكل ما يرتبط بها بصلة، باعتبار أن إطالة أمد التكليف يشكل إخفاقاً جديداً في مسيرة العهد، والذي بات يشارف على نهايته.

وبناء على هذه الأجواء والمعطيات، يبدو أن هناك مرحلة جديدة قد تكون ضمن مسار سياسي داخلي وإقليمي ودولي تم التوافق عليه في إطار تأمين المناخات الهادئة والملائمة للبنان في هذه المرحلة ربطاً بالتطورات في المنطقة وما يجري في أرمينيا، إضافة إلى عامل رئيسي يتمثل بقلق المجتمع الدولي على الوضع اللبناني، وخصوصاً انهيار اقتصاده الذي بلغ أخطر مرحلة في تاريخه، وكذلك، تداركاً لأي حروب جديدة على الساحة اللبنانية، في ظل ما يحصل اليوم من تفجيرات وإشكالات، ولا سيما بعد زلزال بيروت، فكل هذه الأجواء حتّمت على الدول المعنية بالملف اللبناني، وخاصة فرنسا، الإسراع في عملية تشكيل حكومة تحظى بموافقة الأكثرية السياسية، خصوصاً أنه ليس باستطاعة أي طرف دولي أن يدعم لبنان وعملية الإصلاح وتحسين اقتصاده وإنقاذه من السقوط المدوّي الذي يتخبّط به دون أن يكون هناك حكومة إصلاحية وتحظى بثقة المجتمع الدولي، وعلى هذه الخلفية كان اختيار الحريري في ظل علاقاته الدولية وكونه يعتبر الزعيم السنّي الأقوى، وأنه القادر على تحريك أموال «سيدر» وأن يكون على رأس الحكومة في المؤتمر الدولي الذي دعت إليه باريس لدعم لبنان.