لم يكن احد يتوقع ان تكون نبرة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بهذه الحدة في ذكرى 13 تشرين. هو لم يترك حليفا ولا عدوا الا ووجه اليه سهاما. اما الهجوم الاعنف فكان بوجه رئيس «المستقبل» سعد الحريري ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

قراءة هادئة وعميقة لخطاب باسيل ربطا بالمعطيات الراهنة تبين ان التصعيد «الباسيلي» محاولة لاستيعاب الخسارات المتتالية التي مني بها التيار كما كل القوى السياسية التي تسعى جاهدة لشد عصب جمهورها المشتت مجددا. إلا أن ما في المنزل العوني شيء وما في باقي المنازل السياسية شيء آخر تماما. فالعهد عهد التيار والزمن زمن التيار، فكيف لا يكون التحدي بالنسبة للقيادة العونية في اعلى مستوياته والبلد يسلك خطوات سريعة وواثقة نحو الانهيار.

ولعل ابرز ما دفع باسيل الى تصعيده هذا وفي هذا التوقيت بالذات، عودة سعد الحريري كـ «فاتح» فارضا نفسه كمخلص وفق قاعدة «انا او الانهيار»، والانكى بالنسبة للعونيين انهم قد يضطرون للسكوت عن ذلك وان كانوا سيواصلون رفع الصوت وسيقررون الانضواء في صفوف المعارضة، لان اي مواجهة من نوع آخر ستؤدي الى تحميلهم مسؤولية هذا الانهيار .

ويكاد باسيل في خطابه الجديد يفقد ما تبقى من حلفائه بعدما زاد الهوة مع اخصامه. فبعد انهيار المصالحة المسيحية مع «القوات» واصل دق المسامير في نعشها رغم المساعي التي تبذلها بكركي لجمع الطرفين. واذا كان رئيس «القوات» سمير جعجع يتحمل مسؤولية رفضه الجلوس مع باسيل حول طاولة البطريركية، فان الاخير يتحمل مسؤولية نكء الجراح ما ينعكس مباشرة احتقانا في الشارع المسيحي شاهدنا بعض اوجهه خلال ما بات يعرف بحادثة ميرنا الشالوحي.

وقد يكون خلاف باسيل مع رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية الاشهر على الاطلاق. فالرجلان ما زالا ومنذ انتخاب العماد ميشال عون رئيسا يعمقان الهوة بينهما، لاقتناعهما على الارجح بأن ذلك يخدمهما في معركة الرئاسة المقبلة.

وكما مع «القوات» و«المردة» لم ينجح او يرد باسيل ان ينسج اي علاقة مع «الكتائب». ويرد اخصام باسيل هذا الطلاق مع كل القوى المسيحية الى مسعى منه لتحجيمهم وفرض نفسه زعيما مسيحيا وحيدا ما يتيح له الاستئثار بكل التعيينات المسيحية ويجعله مرشحا طبيعيا ووحيدا لرئاسة الجمهورية خلفا للعماد عون.

الا ان من يسعى للرئاسة يفترض ان يحسن علاقاته بباقي المكونات. لكن باسيل يسلك طريقا معاكسا، فهو على خلاف حاد مع رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط كما مع رئيس المجلس النيابي وحركة «أمل» نبيه بري ومؤخرا باتت علاقته ايضا مع حليفه الوحيد المتبقي حزب الله على المحك.

حتى دوليا، رغم كل محاولاته نسج علاقات جيدة مع الاميركيين، بقيت علاقته معهم محدودة. لا بل ابعد من ذلك، يخشى كثيرا اليوم وضعه على لائحة العقوبات الاميركية رغم اعلانه مرارا وتكرارا انه لا يهاب ذلك. وكما مع الاميركيين، لا يتمتع باسيل بعلاقات جيدة لا مع الاوروبيين او العرب والخليجيين، وتبقى علاقات بالحد الادنى. وتعتبر مصادر «الوطني الحر» ان ذلك مفخرة للعونيين وليس مصدر خجل لهم، «فبعكس كل القوى السياسية التي تحركها قوى خارجية هي تابعة لها وتنفذ اجنداتها بوضوح، قد نكون نحن الفريق السياسي الوحيد الذي لا يخضع للخارج ما يجعل قرارنا وموقفنا نابعاً عن مصلحة وطنية صرف». وتضيف المصادر لـ «الديار» : «نحن في مواجهة مفتوحة مع الداخل المدعوم خارجيا والذي يسعى لتمديد طريقة الحكم القائمة منذ الطائف. وحين قررنا هز عروش فسادهم وسرقاتهم ارادوا افشال العهد. وهم منذ اليوم الاول لتبوؤ العماد عون سدة الرئاسة يضعون العصي بدواليبه، من دون ان يعوا ان ما يقومون به حقيقة وضع للعصي في دواليب البلد الذي دفعوه الى الانهيار وما زالوا يدفعون به الى جهنم لانهم يعون انهم سقطوا وسيحاسبون لذلك لا يريدون ان يذهبوا للنار وحيدين انما ان يجروا البلد ومن فيه معهم الى النيران».

وتؤكد المصادر ان «المعركة طويلة وصعبة لكن قيادة التيار لن تستسلم وتسلم، وهي جاهزة للعودة الى صفوف المعارضة التي تشبهها ولا تشبه اياً من القوى الحالية التي يتوجب ان تلفظها المعارضة والشارع باعتبارها المسؤولة المباشرة عما وصلت اليه البلاد والعباد».