يتناول هذا المقال النفوذ التركي في شمالي لبنان وتوسعه في كل من طرابلس وعكار، والذي حل مكان النفوذ السعودي بعدما غاب عن المنطقة، كما يشير الى تواصل بعض القيادات السنية وترحيبها بالنفوذ التركي الجديد.

---------------------------------------------

توّج بزيارة اردوغان الى الكواشرة العكارية في الـ 2010 ويتمدّد مع تفاقم الازمات
فيصل كرامي شرّع ابوابه للاصدقاء التاريخيين «لان تـركيا صفحة مشرقة بلبنان»

في تموز الماضي كشف وزير الداخلية محمد فهمي عن توقيف تركي وثلاثة سوريين حاولوا تهريب أربعة ملايين دولار الى لبنان على متن رحلة جوية من تركيا.

حينها أشارت المصادر الى ان الاموال آلآتية من تركيا كانت مخصصة لتمويل احتجاجات الشوارع في المناطق اللبنانية في مواجهة الحكومة اللبنانية وهي في اطار الدعم التركي لمجموعات لبنانية وحثها على النزول الى الشارع .

ما كشفه وزير الداخلية في تموز الماضي لم يكن سوى احد مظاهر التوغل التركي في الساحة اللبنانية واحد أوجه النفوذ التركي الآخذ بالتمدد في هذه الساحة لا سيما الساحة الشمالية من لبنان حيث العين التركية على بيئة حاضنة متوسلة العاطفة الدينية السنية وفي سياق احياء لتاريخ سجل علاقات مميزة بين طرابلس وعكار من جهة وتركيا العثمانية - امتدادا الى تركيا اردوغان - من جهة ثانية حتى ان الوزير السابق النائب فيصل كرامي لم يتوان عن وصف العلاقة مع الاتراك «بالاصدقاء التاريخيين الذين تحمل لهم طرابلس كل الود والاحترام والمحبة والذين قدموا للبنان ولطرابلس كل المساعدات الاجتماعية والثقافية» وذهب كرامي في وصفه لهذه العلاقة الى اعتبارها «صفحة مشرقة بتاريخ منطقتنا وامتنا وهي صفحة لم تغلق ابدا» ولذلك توجه كرامي «الى الاصدقاء التاريخيين حين شعر بالغبن»..

موقف كرامي يختزل موقف الكثير من الطرابلسيين ويحاكي شريحة واسعة منهم يعتبرون تركيا قبلتهم وهم على اطلاع بتفاصيل الدور التركي واحتمالات تمدد هذا الدور الى لبنان ومن بوابة الشمال الساحة الشاهدة على الحضور التركي الفاعل منذ اكثر من خمسة عشر سنة، خاصة في ساحتي طرابلس وعكار اللتين تلقيان اهتماما تركيا استثنائيا، وفي المقابل ترحيبا من اوساط شعبية وهيئات طرابلسية وعكارية يمتد من العام 2010 وتجسد في الاستقبال الحافل والحاشد للرئيس التركي اردوغان في بلدة الكواشرة العكارية ذات الجذور التركمانية والتي تحظى برعاية حكومية خاصة منذ سنوات وهي البلدة التي حافظ اهلها على لغتهم التركية ويتخاطبون بها فيما بينهم ويتوارثونها أبا عن جد، وقد خصصت السفارة التركية لاهلها ولذوي الاصول التركية والتركمانية في عكار وطرابلس منحا جامعية في جامعات تركيا ويتخرج سنويا من تركيا العشرات من ابناء عكار من كل الاختصاصات، عدا عن اهتمام السفارة التركية بكافة مناحي الحياة في البلدات ذات الاصول التركية في الكواشرة وعيدمون والدوسة وعين تنتا.

 مشاريع تنموية 

تدرج الاهتمام التركي بالساحة الشمالية اللبنانية وتحديدا في طرابلس وعكار من رعاية الآثار العثمانية وترميمها في طرابلس، الى مد يد العون والمساعدة في مناسبات عدة الى ان دخلت الساحة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) المرتبطة مباشرة برئاسة الوزراء التركية وافتتحت مكاتب لها في طرابلس وعكار وتكفلت الوكالة المذكورة بتوزيع هبات عينية وغذائية ورعاية ترميم الآثار التركية التي بدأتها بتأهيل وترميم برج ساعة التل الشهيرة هبة السلطان عبد الحميد الى طرابلس في العام 1901 ، ثم ترميم وتأهيل التكية المولوية الواقعة تحت القلعة باعادة بناء الاجزاء المهدمة وتحويل قاعاتها الى متاحف بكلفة رصدتها رئاسة الوزراء التركية بلغت نصف مليون دولار،مع تأهيل المعالم العثمانية في اسواق طرابلس الداخلية.

وكالة (تيكا) المذكورة نفذت في طرابلس وعكار الكثير من مشاريع التنمية ففتحت طرقات وحفرت أبار ارتوازية للري والشرب وانشأت مدارس تدرس فيها اللغة التركية، ومستوصفات في عيدمون والكواشرة والبيرة والدوسة وقدمت مساعدات غذائية ولا تزال في عكار وطرابلس ..

برأي مصادر شمالية ان ما قدمته وتقدمه (تيكا) شكل بحد ذاته التفاتة تركية استثنائية للشمال اللبناني ولم تكن الوكالة التركية ومعها الهلال الاحمر التركي سوى الباب الذي ولجت عبره تركيا الى الساحة الشمالية الموصومة بالفقر والبؤس والجوع والحرمان والاهمال الرسمي وجرى تفعيل هذه المشاريع والخدمات التركية في الآونة الاخيرة في ظل الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة المتدهورة، ومهدت (تيكا) الطريق لولوج الادارة الامنية التركية والسياسية الى الساحة الشمالية لملء فراغ سعودي في الشمال منذ انكفاء الدور السعودي في الشمال ونجحت تركيا في تشكيل شبكة واسعة من الاصدقاء والمتعاونين معها ساعدها في ذلك تنظيم (الجماعة الاسلامية) الحليف العقائدي والسياسي للحكومة التركية فسهل للاتراك عملية الولوج الى طرابلس وأقترحت الجماعة الاسلامية مشاريع عديدة قدمتها للنظام التركي تضمنت مقترحات للعمل في لبنان عامة والشمال خاصة وفق مصدر سياسي شمالي مطلع على مجريات الاجتماعات الشهرية الدورية التي تعقدها الجماعة الاسلامية مع الادارة التركية المسؤولة عن العلاقات مع لبنان.

 التمدّد على الساحة الشمالية 

يقول المصدر الشمالي انه تماهيا مع انشطة الوكالة التركية (تيكا) أنشأت في طرابلس اكثر من هيئة وجمعية ومؤسسة بالتشاور مع الوكالة التركية ومع الجماعة الاسلامية ابرزها جمعية الصداقة اللبنانية ـ التركية وجمعية احياء التراث العثماني في طرابلس والشمال وجمعية (راحمون) وهي جمعيات شكلت المدخل للنفوذ التركي الى الساحة الشمالية واتخاذ مدينة طرابلس مقرا لهذا النفوذ الآخذ بالتوسع في اكثر من اتجاه سياسي وعلى اكثر من صعيد اجتماعي واقتصادي ،بل قيل ان المسار الذي وضعته ادارة الرئيس التركي اردوغان منذ اكثر من خمسة عشر عاما بدأ يحقق اهدافه من باب المشاريع والمساعدات وصولا الى تشكيل هيئات وجمعيات واستمالة شخصيات سياسية ودينية شمالية تروج للسياسة التركية وتمهد الطريق امام الحلم الاردوغاني ببعث الخلافة العثمانية واحياء الامبراطورية العثمانية، وليس خافيا على احد الاساليب التركية المعتمدة بالتمهيد امام تنفيذ خططها بمد يد المعونات والخدمات والمشاريع وكسب ثقة الناس ودغدغة العواطف المذهبية ومن ثم الانتقال الى تحقيق مشاريعها وبدا ذلك من التالي حسب رأي مرجع شمالي:

اولا ـ انها دعمت جمعيات وهيئات دينية ابرزها الجمعية الطبية الاسلامية التي ابرمت عقد توأمة مع الهلال الاحمر التركي وهيئة العلماء المسلمين وجمعية احياء التراث العثماني وجمعية الصداقة التركية.

ثانيا ـ نسجت علاقات متينة مع شخصيات سياسية ودينية وقيادات أحياء ومناطق طرابلسية بارزة آخرها كان النائب فيصل كرامي الذي اعتبره الاتراك مكسب سياسي لهم في طرابلس والشمال كونه نائب حالي ومؤهل لرئاسة الحكومة في المستقبل، ونجحت عبر بهاء الحريري بانشاء هيئات على مستوى لبنان وللشمال نصيب منها هي (المنتديات) التي يترأسها المحامي نبيل الحلبي المقيم حاليا في تركيا، وبقيت محافظة على علاقات التعاون والود مع النائب السابق خالد ضاهر ومع الشيخ داعي الاسلام الشهال مؤسس التيار السلفي في لبنان والمقيم حاليا في اسطنبول.

ثالثا ـ رعاية تركيا لمواقع الكترونية وظفتها منصات للتصويب على حزب الله والتيار الوطني الحر وقوى 8 آذار ووزعت مؤخرا فيديوهات حوت افتراءات واضاليل اعدها أحد الفارين من الشمال الى تركيا واستهدفت النيل من القيادات السياسية والامنية وزعزعة الثقة بهم واحاطتهم بالاكاذيب والشائعات مدعوما من الادارة الامنية التركية حسب مصادر أمنية.

رابعا ـ استفادت الادارة التركية من النزوح السوري الى لبنان وخاصة الى الشمال فرعت منذ العام 2011 مخيمات النزوح السوري في عكار ومناطق شمالية اخرى، وساهمت في دعم فصائل سورية معارضة تسللت الى عكار واتخذت من طرابلس مقرا لها ودعمت مراكز تدريب وتسليح وتجنيد نازحين لعمليات امنية عبر الحدود الشمالية الممتدة من العريضة والعبودية وصولا الى وادي خالد وارتفاعا الى جبل اكروم.

 شركة تركية متخصصة بالأمن 

وترى مصادر امنية ان المخابرات التركية لم تترك الساحة الشمالية منذ سنوات عديدة لكنها فعلت انشطتها في الآونة الاخيرة حيث تم الكشف عن اكثر من عملية تهريب اسلحة عبر البحر الى الشاطىء الشمالي بين العريضة والقلمون ولوحظ تدفق السلاح التركي الذي يظهر حاليا بين ايدي المواطنين في طرابلس وعكار بكثافة لافتة حيث تصرف ملايين الذخائر في جنازات او مناسبات برصاص يلعلع في سماء طرابلس او في سماء عكار وتبلغ كلفتها مبالغ طائلة من الدولارات في بيئات فقيرة بالكاد تستطيع تأمين قوت يومها.

وتكشف مصادر الامنية عن شركة تركية متخصصة بالامن تعرف باسم (سادا) تتولى نقل الاسلحة الى لبنان عدا عن مسؤوليتها في تجنيد مخبرين وتدريبهم( وكلف احد الكوادر السوريين الفارين الى لبنان ومن قادة الجيش الحر بمهام التدريب ويعرف بلقب أبو محمد السوري).. والشركة المذكورة ذات خبرة في تدريب الخلايا والمنظمات وهي التي دربت داعش وقبلها النصرة، كما لديها باع طويلة وخبرة في تهريب الاسلحة عبر البحر وعبر منافذ برية غير شرعية من سوريا الى المناطق الحدودية في الداخل اللبناني.

ولم تستبعد المصادر الامنية ان تكون بعض الهيئات التركية الانسانية الناشطة في الشمال تضم في صفوفها ضباط امن من ذوي الخبرة والدراية في الساحة اللبنانية بكل تفاصيلها وتناقضاتها وهذا ما يبدو من الاهتمام الرفيع المستوى بكل تفاصيل الحياة في الشمال اللبناني حتى وصل الامر الى اعداد لوائح اسمية بكافة عائلات عكار وطرابلس وتفاصيل حياتهم السياسية والمهنية والاجتماعية وتحديد الانتماءات.

وتضيف المصادر الامنية ان الهيئات التركية الناشطة في الشمال نجحت في استقطاب الشباب الشمالي من باب العزف على الوتر المذهبي فارتفعت صور عملاقة لاردوغان والاعلام التركية في طرابلس والبداوي وبلدات عكار ذات الاصل التركي وبات الرئيس اردوغان رمزا للخلافة الاسلامية حتى بات يطلق عليه في بلدات عكارية لقب (حفيد السلطان عبد الحميد) ويتحدثون عنه كبطل من ابطال الاسلام السنة وبات المس به بمثابة انتهاك لرمز اسلامي، واللافت ان اجيالا جديدة تتلقن التنشئة التركية في المدارس التي انشأتها في الشمال.

ولم يكن تصريح وزير خارجية تركيا مولود اوغلو عبثيا حين كشف عن استعداد بلاده لمنح الجنسية التركية للبنانيين من اصول تركية وتركمانية تقيم في عكار والشمال والبقاع عندما لاحظت الادارة التركية حجم ولاء هؤلاء لتركيا وتمسكهم بجذورهم ولغتهم وتقاليدهم وعاداتهم التركية وحرصهم على التخاطب بالتركية فيما بينهم.

 تركيا تحضن المنظمات الارهابية 

لم يقتصر النفوذ التركي على ما سبق من ايراده ،فوفق مصادر امنية انه في الآونة الاخيرة تمكنت الادارة التركية من نقل عشرات المقاتلين ينتمون لمنظمات ارهابية موالية لتركيا وتكشف هذه المصادر ان عدد الذين تسللوا حتى الآن الى الشمال قادمين من أدلب تجاوز المئة وخمسين عنصر «داعشي» من المدربين تدريباً عالي الجودة وان هؤلاء اختفوا في الشمال وتوزعوا ما بين القرى الحدودية العكارية النائية الى القرى في الوسط الشمالي الساحلي وصولا الى احياء طرابلس الداخلية ،وتضيف المصادر موضحة ان الشبكة الارهابية «الداعشية» التي تم كشفها عقب جريمة كفتون الكورانية وجريمة جبل البداوي ووادي خالد كانت تضم في صفوفها «دواعش» قدموا حديثاً الى الشمال بدعم وتوجيه تركي وابرزهم المدعو ابو وضاح يوسف خلف والمدعو احمد الحجار اللذين قتلا في مواجهات وادي خالد.

كما كشفت المصادر ان تركيا نقلت من إدلب مرتزقة من منظمتي (حراس الدين) و(أحرار الشرقية) الارهابتين المدعومتين ماليا وتدريبا منها الى الشمال اللبناني، وان عناصر المنظمتين تمكنوا من التوغل في قرى عكارية واحياء طرابلس الداخلية وجرود الضنية بعد أن حلقوا ذقونهم وادخلوا تعديلات على مظهرهم الخارجي وهم حاليا يتجولون بين الناس ليوم موعود بانتظار التوجيهات من القيادة في ادلب.

وحسب المصادر الامنية ان المعابر الحدودية الشمالية وصولا الى الحدود الشمالية ـ الشرقية جرى ضبطها مؤخرا بانتشار وحدات الجيش اللبناني على طول هذه الحدود للحد من عمليات التهريب على انواعه وعلى الضفة السورية من هذه الحدود تنتشر وحدات الجيش السوري،لكن لا يعني ذلك ان عصابات التهريب المحترفة ليست ناشطة.. فلضبط الحدود بالكامل نحتاج الى نشر الوف الجنود لمنع عمليات التهريب التي لم تنقطع رغم كل هذه التدابيروان المنظمات الارهابية التي تحضنها تركيا تتوسل هذه العصابات لقاء مبالغ مالية باهظة لا تقل عن خمسة آلآف دولار عن الشخص الواحد وحسب موقعه القيادي وتمكنت هذه العصابات من نقل العشرات وسبق ذلك نقل عائلات ارهابيين زوجات واطفال من ابناء طرابلس وجرى توقيفهن والتحقيق معهن وافرج عنهن مؤخرا وهن حوالى مئة امرأة وطفل وطفلة ممن ولدوا في معسكرات داعش .

وما يثير التساؤلات ان هؤلاء النسوة والاطفال تركن للعودة الى عائلاتهن ويتابعن حياتهن بشكل طبيعي دون متابعة من مرجعيات دينية يفترض اعادة تأهيلهن نفسيا وفكريا .. لكن لوحظ عودة ازواج بعضهن بعيدا عن العيون الامنية.

مصادر أخرى الى ان المجموعات الارهابية التي تمكنت من التسلل الى الشمال واختفت بين المواطنين في مناطق عكارية وفي تجمعات النزوح السوري باتت خلايا نائمة تعد العدة لتكرار ما ارتكبته الخلية التي كشفتها جريمة كفتون.