تبعد بلدة مغدوشة عن العاصمة اللبنانية بيروت حوالي 50 كلم، وتتربع على تلة تشرف على مدينة صيدا. ترتفع عن سطح البحر حوالي 250 مترا وتمتاز بموقع جميل فريد. ينبسط البحر أمامها غربا، ويرنو إليها الجبل شرقا، وشمالا تبدو قرى ومدن لبنانية متناثرة مدروزة واحدة تجاور الأخرى وصولا إلى العاصمة بيروت، وجنوبا تطل منها مدينتا صيدا وصور وقرى جنوب لبنان.

وتعتبر مغدوشة بلدة قديمة، حيث تشير بعض الدراسات أنها كانت مسكونة من الإنسان الأول الذي حفر بيته في الصخر، ولا تزال المغاور والكهوف موجودة حتى اليوم، أبرزها مغارة سيدة المنطرة.

يعود اسم مغدوشة حسب رأي المؤرخ اللبناني أنيس فريحة إلى الأصل السرياني، وتعني مكدسو الاغلال، ويعتقد بعض المؤرخين أن اسم مغدوشة يعود إلى تحريف كلمة قدش السريانية والتي تعني “المقدس” ويرد البعض قدسية المكان إلى زيارة السيدة مريم العذراء إلى البلدة وتحديدا إلى المغارة.

أساطير

وتتمتع البلدة بجمال فريد جعلها مسرحا للعديد من الأساطير القديمة ومنها أن عشتروت آلهة الحب والجمال عند الفينيقيين اختارت مغدوشة وسكنت فيها ضمن بيئة طبيعية محاطة بأشجار الصنوبر والزيتون وكروم العنب التي اشتهرت بها البلدة. وازدهرت مغدوشة في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني 1683 وتوافد إليها في تلك الفترة العديد من العائلات التي أصبحت من أهل البلد.

وعن روايات متداولة منذ القرن الثامن عشر ان السيدة العذراﺀ جاﺀت إلى مغارة مغدوشة مع التلميذ يوحنا الحبيب، ما يوضح القصد من تأكيد قداسة المكان. وتشير الروايات إلى أن السيد المسيح جاﺀ ذاك المقام لاصطحاب والدته ومن معها في طريق عودته إلى فلسطين. ومن هنا تسمية “الدرب” (الطريق الطويل والبعيد) لبلدة درب السين (أو درب السيم) الاسم الأول يعني بالسريانية الطريق المؤدي إلى مطلع الشمس والقمر، والآخر يعني باللاتينية الطريق المؤدي إلى القمة والمعنيان واحد.

اقترن اسم مغدوشة باسم مريم العذراﺀ فعرفت ببلدة العذراﺀ وعرفت المغارة بـ “سيدة المنطرة في مغدوشة” كما يشير النص على مدخل المغارة: “مقام سيدة المنطرة العجائبي في خراج مغدوشة، اكتشفه سكان القرية سنة 1721 واستخدموه كنيسة لهم ومدفنا لكهنتهم وموردا لرزقهم”. ويشيع أن راعيا اكتشفها عرضاً في القرن السابع عشر فوجد فيها مذبحا عليه صورة خشبية للعذراﺀ. واكتشف علماﺀ الآثار قرب موقع المغارة بقايا قلعة صليبية “فرانش غارد” وكتابة فينيقية محفورة في الصخر.

يقع مقام سيدة المنطرة في مغارة طبيعية، على مشارف بلدة مغدوشة، وهو عبارة عن مغارة صغيرة يبلغ أقصى طولها حوالي خمس عشرة متراً، وهي تجويف صخري كلسي كانت له فتحة علوية سمحت باكتشافه في مطلع القرن الثامن عشر من قبل أحد الرعاة في المنطقة، ثم حولت المغارة إلى مزار تقام فيه الصلوات والقداديس، خاصة وإن حفرة في جداره الشرقي قد جهزت لتصيرَ شبه مذبح يحمل الأسرار المقدسة.

وإلى جانب هذه المغارة الرئيسية، يقع تجويف أصغر حجما وعمقا يستعمل لمراسم العماد المقدس.

أما مدخل المغارة فقد أعد لاستقبال الزائرين ببناء رواق صغير بقناطر ثلاثة، تبرعَ بها أحد أثرياء صيدا من آل أبيلا، جاك أبيلا قنصل انكلترا في صيدا، سنة 1868 وفاء لنذر قطعه للعذراء على شفائه من فالج. تحيط بالمقام ساحة واسعة تسمح بتجمعات بشرية كبيرة وتستعمل في المناسبات الدينية السنوية، وخاصة في الاحتفالات المقامة بمناسبة عيد ميلاد السيدة العذراء.

وأشيد بالقرب من المقام برج عال يبلغ ارتفاعه ثمانية وعشرين مترا، في المكان الذي كان فيه قائما البرج الصليبي القديم الذي بناه الملك الفرنسي لويس التاسع والذي اندثر لاحقا. ويعلو البرج المعاصر تمثال برونزي للعذراء مريم تحمل طفلها يسوع، من الطراز اللاتيني ومن صنع ايطالي. ويبلغ ارتفاع التمثال ثمانية أمتار ونصف، ويشرف بوضوح على الخط الساحلي.

البرج الحديث

مهدت الأرض فوق المقام لتصبح ساحة واسعة تصلح للتجمعات البشرية الكبيرة ولوقوف السيارات. وتشاد حاليا إلى شرق هذه الساحة كنيسة جديدة، مساحتها ألف ومئتي متر، زينت واجهتها الغربية بفسيفساء حديثة تمثل بشارة العذراء.

أمام المغارة ثلاث قناطر يعلوها صليب بناها جاك أبيلا (قنصل انكلترا في صيدا) سنة 1868 امتنانا للعذراﺀ على شفائه من فالج. ومنذ اكتشاف المقام أخذ المؤمنون يؤمّونه مقدّمين نذورا وتقدمات على شفاﺀات وعجائب من السيدة العذراﺀ من مسلمين ومسيحيين من لبنان ومن خارجه، أبرزها ست عشرة أعجوبة ذكرها المطران باسيليوس حجار. وبفضل هذا المقام باتت مغدوشة بلدة سياحية وجعل أبناؤها نهار الثامن من أيلول/سبتمبر عيد السيدة (ميلاد السيدة) العذراﺀ يتقاطر إليه المؤمنون من الجوار والأبعد يشاركون في العيد والصلوات.

ويرى الارشمندريت سمير نهرا، أن مغارة سيدة المنطرة هي مزار تاريخي وديني، مضيفا إن مريم العذراء أقامت مع السيد المسيح في مغدوشة وبقيت فترة من الزمن عندما كان يسوع وتلامذته يقومون بزيارات تبشيرية إلى صيدا وصور.

موقع أثري

دخلت بلدة مغدوشة رسميا خريطة السياحة الدينية العالمية في أيار/مايو 2016 من بوابة مزار “سيدة المنطرة” بعدما قررت “منظمة السياحة العالمية” التابعة للأمم المتحدة الموافقة عليه.

وتشير أمل حليس مسؤولة لجنة الاستقبال في مزار مغدوشة إلى أن هناك سببين دفعا منظمة السياحة العالمية إلى هذه الموافقة، أولهما لأن “سيدة المنطرة” أصبح متفقا عليه علميا انه من الأمكنة التي وطأها السيد المسيح، وانه كان يأتي إلى ساحل صور وصيدا ومعه أمه السيدة العذراء فكان يتركها وينزل ليبشر في المدن الساحلية، فكانت تنتظره في مغارة مغدوشة التي أصبح اسمها مغارة سيّدة المنطرة، وثانيها لأن عدة بعثات ايطالية ثم بولونية وعلماء آثار لبنانيون، حسموا بان هذا الموقع أثري يعود إلى ما قبل 2000 سنة أي انها منطقة أثرية ببعديها التاريخي والروحي وامتداد للأرض المقدسة من القدس مرورا بالجليل إلى لبنان.

اللافت في الأمر، أنه بمجرد الموافقة على الانضمام إلى خريطة السياحة العالمية، فان اسم سيدة المنطرة دخل على 400 ألف موقع جديد في السياحة العالمية، وقد أدرجت وكالات السياحة ومكاتبها الموقع ضمن رحلاتها السياحية للبنان، بينما عملت وزارة السياحة اللبنانية على وضع شارات ولافتات ترشد إلى الموقع من على الطريق الساحلية بدءاً من صيدا وصولا إلى مغدوشة.

ويؤكد راعي ابرشية صيدا ودير القمر لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك المطران ايلي الحداد ان ادراج سيدة المنطرة على خريطة السياحية العالمية هو اعتراف على الصعيد الدولي بهذا الموقع الذي جاء إليه السيد المسيح مثل الكثير من المواقع التي ولد أو عاش أو صلب فيها في بيت لحم والقدس وسواهما، وهو تطابق بين البعدين الديني والتاريخي لتلك الفترة التي عاش فيها السيد المسيح حيث عثر في البلدة على الكثير من المغاور التي تشبه النزل والتي من المرجح أن يكون قد نزل فيها والسيدة مريم العذراء في أوائل القرن الأول للميلاد.

طواحين

انكب أهل مغدوشة منذ العصور القديمة على زراعة القمح وطحنه في بلدتهم (لا تزال آثار خمسة طواحين باقية حتى اليوم) ثم زرعوا الزيتون وحولوه زيتا في معاصرهم البدائية (ثلاث لا تزال منها حتى اليوم) ثم زرعوا الكرمة وأصلوها وجلبوا العنب الحيفاوي من فلسطين فاشتهر بـ”عنب مغدوشة” وصنعوه واستخرجوا منه كحولا وخمورا ثم زرعوا النارنج (ليمون البوسفير) وأجادوا صنعه، حتى ليندر أن يخلو بيت من مغدوشة اليوم من الكركه (الانبيق) فاشتهر بماﺀ الزهر المغدوشي لبراعة تقطيره وحسن استخراجه.

تجمع بلدة مغدوشة، جمال الطبيعة وكهوفا حفرها الإنسان الأول ومعالم دينية ما حولها إلى معلم سياحي بارز.


“القدس العربي”- عبد معروف.