اذا كان الرهان على اعلان النوايا، يمكن ان تترجم النوايا الحسنة بحكومة قبل نهاية الاسبوع، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقبل الاستحقاق الانتخابي الاميركي، واذا كان رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري قد سلم بشراكة رئيس الجمهورية ميشال عون بالتشكيل علنا، فالمعلومات المسربة تشير الى انه سلم «بطيف» الوزير جبران باسيل، سرا، حيث سربت مصادر مقربة من «ميرنا الشالوحي» معلومات عن تنازلات جوهرية في الحقائب المسيحية، يمكن القول من خلالها اننا سنكون امام حكومة «محاصصة» جديدة بعدما جرى سابقا التفاهم على الحصص مع «الثنائي الشيعي» والحزب التقدمي الاشتراكي. وبانتظار ان تتكشف حدود «التنازلات» التي قدمها الحريري مسيحيا، تحدثت تلك الاوساط عن بقاء «الطاقة» مع «التيار» مع تبادل مفترض في حقيبتي الداخلية والخارجية.

هذه المعلومات التي تبقى اولوية، وتحتاج الى مزيد من الوقت كي يتبين صحتها، من عدمه، فان الاتصالات لا تزال تجري بعيدا عن الاعلام دون ضغط باريس، لكن بغطاء منها، وذلك لاستعجالها تحقيق انجاز خارجي «كيفما كان» في ظل ازمتها مع العالم الاسلامي وتزايد المخاوف من «وأد» مباردتها عقابا لها على «سقطة» رئيسها، وفيما تبدو واشنطن غير مبالية لانشغالها بانتخاباتها، تتأرجح الرهانات الداخلية بين من يسعى الى انتظار نتائج السباق، ونصائح اخرى باستغلال الوقت الضائع... وبالانتظار يبقى الاهم ان الرئيس المكلف لم يقدم اجوبته بعد حول كيفية مقاربته للاصلاح الاقتصادي المنهار، وعما اذا كان مستسلما لشروط صندوق النقد الدولي بحرفيته، ما يضع البلاد امام استحقاقات اجتماعية مخيفة.

بانتظار اجوبة الحريري

وفيما غابت الاتصالات العلنية امس، واستمر العمل «بصمت» لعدم حرق «الطبخة»، اكد رئيس مجلس النواب نبيه بري امام زواره انه لا مانع من تشكيل الحكومة هذا الاسبوع، وقد تواصلت حركة المشاورات بعيدا عن الاضواء، وامام سيل الاجواء التفاؤلية، يبقى سؤالا مركزيا دون اجابة من قبل الرئيس الحريري، وهو يتعلق ببرنامج الحكومة الاقتصادي وكيفية تسييل المبادرة الفرنسية الى افعال خصوصا ان المطلعين على اجواء «بيت الوسط» قد لمسوا ان الرئيس المكلف لا يملك اي تصور جاهز اقتصاديا، الا التمسك «بالورقة» الفرنسية، ومسألة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لكن حتى الان لم يقدم اجابات حول ما هو مقبول، وما هو مرفوض، من سلسلة الطلبات الجاهزة والمعروفة من قبل «الصندوق»، فهل حكومته مستعدة لالغاء دورها الرعائي للمواطنين، وبأي تكلفة، هل ستتجه نحو إلغاء كل أنواع الدعم على الدواء، والطحين، والمواد النفطية، ام انها ستفاوض لترشيده فقط، هل لديها خطة بديلة عن مطالبة «الصندوق» بتحرير سعر الصرف وترك الدولار في ايدي من يتلاعبون «بالسوق السوداء»، خصوصا ان تجربة الايام القليلة الماضية اثبتت وجود «مافيا» تتحكم بالسعر لاهداف سياسية بعيدا عن اي تحولات اقتصادية تفسر هبوطه المفاجىء؟ وهل لا يزال متمسكا بنظريته الاقتصادية القائمة على بيع الاملاك العامة اي التخلي عن المؤسسات المنتجة للقطاع الخاص؟ وبأي تكلفة؟ وكيف سينفذ المطالب الخاصة بتقليص نفقات الدولة ؟ وهل هو مستعد لطرد الالاف من الموظفين من القطاع العام؟ هل لديه قناعة انه بالامكان خلال 6 اشهر وضع خطة اقتصادية تنقل البلاد من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد المنتج؟ ام انه فقط سيعيد البلاد الى نظرية الاستدانة وبتكلفة اكبر هذه المرة، لان الشروط الدولية ستكون اشد مع دولة مفلسة، ولانه اذا ما اختار الخصخصة فانه سيضطر للبيع باسعار بخسة في ظل الوضع القائم حاليا في البلاد!ويبقى السؤال الاهم، اذا لم يكن لدى الحريري اجابات مغايرة عن شروط «الصندوق» لكيفية الخروج من الازمة، فهل سيمنحه حزب الله «البركة» للسير قدما في تأليف حكومة محكومة مسبقا بالفشل الاقتصادي، ومهمتها رهن لبنان اقتصادياً وسياسياً للخارج؟

هل تمت «المحاصصة»؟

وفي سياق المعلومات الشحيحة حول مسار التأليف، اشارت مصادر مقربة من «التيار البرتقالي» الى «ان الأجواء ايجابية بحذر»، فالحكومة ستكون مؤلفة مبدئيا من 20 وزيرا، لا تضم وجوها سياسية على ان تسمي الاحزاب وزراءها مقرونة بموافقة الرئيس المكلف عليها، ووفقا للمعلومات، بدأ الرئيس الحريري جولة من المناقشات بعيدا عن الاضواء، وبات لديه تصور اولي لتوزيع الحقائب، وبات من المؤكد ان وزارة المال ستكون من حصة حركة امل، ووزارة الاشغال لحزب الله، اما وزارات الداخلية، والدفاع، والطاقة، فستكون لفريق رئيس الجمهورية (التيار الوطني الحر)، اما تيار المستقبل فسيحصل على وزارة الاتصالات، والخارجية، فيما ستكون وزارة الصحة من حصة الحزب التقدمي الاشتراكي. وهذه الاجواء، تعكس في حال ثبت صحتها، ان الحريري قدم تنازلات كبيرة للرئاسة الاولى، والتيار الوطني الحر، واذا سارت الامور على خير ما يرام، ولم يتراجع الرئيس المكلف، قد يعرض التشكيلة الاولية على الرئيس عون خلال يومين، في المقابل، لفتت اوساط «المستقبل» الى انه اذا لم تولد الحكومة هذا الاسبوع فان الامور قد تذهب نحو التعقيد.

من جهته، علق رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على الاتصالات الحكومية بالقول، يبدو لا أمل في هذه الحكومة، لأنها بدأت التشكيل على أساس وعود للثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي بإعطائهم حقائب معيّنة، وهي أحد أسباب جمود الوضع، وعدم حصول إصلاحات. أضف إلى أن يسموا هم وزراءهم. إذاً، ما يحصل مع الثنائي الشيعي سينسحب على التيار الوطني الحر والآخرين. فكيف ستكون هذه الحكومة؟ في أحسن أحسن الحالات، ستكون حكومة شبيهة بحكومة الرئيس حسان دياب، ماذا نكون فعلنا؟ لا شيء سوى تضييع وقت إضافي.

 الازمة الفرنسية ونصائح بالاسراع! 

وفي هذا السياق، نصحت اوساط دببلوماسية في بيروت رئيس الحكومة المكلف بالاسراع في انتاج حكومة «الحد من الخسائر»، وعدم انتظار نتائج الانتخابات الاميركية لانه لا جدوى من ذلك، كما ان الاسراع بات ضروريا لسبب وجيه آخر يرتبط بالمبادرة الفرنسية التي قد تتبخر قريبا بفعل ازمة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع العالم الاسلامي اثر تصريحاته وردود فعله «الاستفزازية» ضد الاسلام عقب مقتل المدرس الفرنسي في باريس. فاضاعة الوقت في «شياطين» التفاصيل، قد يكون مكلفا لان صاحب المبادرة الفرنسية الذي جاء الى بيروت كـ«فاتح عظيم» قبل نحو شهرين، لن يتمكن هذه المرة من العودة مرة جديدة، وهو لن يواجه مقاطعة سياسية وازنة وانما سيواجه تظاهرات في الشارع ردا على مقارباته الخاطئة. وفي ظل اتساع رقعة التجاذبات ودخول اطراف سياسية ودينية لبنانية على خط الانتقادات المباشرة للرئيس الفرنسي، وفي مقدمتها حزب الله، وبعد صدور موقف ايراني شديد اللهجة بالامس، حيث اعتبر قائد الأركان الإيراني محمد باقري، أن «فرنسا تمارس لعبة خطيرة وعليها الكف عن التلاعب بمشاعر مليار ونصف مليار مسلم وإحساسهم الديني»، ثمة خشية من ان تدفع باريس ثمن هذه «المغامرة» بافشال مبادرتها ونعيها على نحو كامل، وهو امر لا تستبعده اكثر من جهة تعمل على خط «الطبخة» الحكومية، وفي هذا السياق تلقى الحريري نصائح من اعلى هرم في المؤسسة الدينية السنية في بيروت، بضرورة التقليل من الاشادة بالمبادرة الفرنسية و«التغني» بها، لانها بدأت تترك اثارا سلبية في الشارع الاسلامي بفعل مواقف ماكرون المعادية للاسلام.

 تراجع الضغط الفرنسي 

وهذا الاستعجال الفرنسي، ترجمته السفيرة الفرنسية في بيروت آن غريو تراجعا عن «الشروط» الفرنسية لنوعية الحكومة، فهي اكدت لزوار السفارة بأن بلادها غير مهتمة بأي حكومة سيشكلها الرئيس الحريري، أكانت تكنوقراط أو تكنو- سياسية، وهذا يعني برأي اوساط سياسية مطلعة، ان باريس تخلت عن معاييرها السابقة وتريد حكومة «كيف ما كان» لانقاذ المبادرة الفرنسية وليس انقاذ لبنان، فباريس بحاجة «لتصر» خارجي في ظل ازمتها الراهنة، ولم يعد مهما لديها اذا كانت الحكومة قادرة على اتخاذ القرارات، وتنفيذ إصلاحات، اما الحديث عن معايير الكفاءة والنزاهة والإنتاجية، فمجرد «شعارات» لم تعد تنطلي على احد. وقد انعكست الرؤية الفرنسية المستجدة، تراجعا في الضغط الفرنسي اتجاه المسؤولين اللبنانيين في هذه المرحلة، ولم يسجل منذ اندلاع الازمة المستجدة اي تواصل جدي مع الرئاستين الاولى والثالثة، وهو امر منح الرئيس ميشال عون هامشا اوسع للتمسك بحصرية تسمية الحصة الاكبر من الوزراء المسيحيين، وفرض توحيد المعايير على الرئيس الحريري الذي وجد نفسه مضطرا في نهاية المطاف الى تقديم تنازلات، للعودة الى السراي الحكومي.

 الرهان على الانتخابات الاميركية؟ 

وفي السياق نفسه، لفتت مصادر ديبلوماسية اوروبية الى ان ثمة مبالغة كبيرة في رهانات بعض اللبنانيين على نتائج الانتخابات الاميركية، ودعتهم الى عدم تضييع الوقت في انتظار نتائج قد يطال حسمها، في وقت غاب الشرق الأوسط عن النقاش الرئاسي في الولايات المتحدة فالرئيس الأميركي دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي جوزيف بايدن ناقشا في المناظرة التلفزيونية الأخيرة فيروس كورونا، والهجرة، والاقتصاد الأميركي، ولكنهما لم يذكرا شيئا بشأن الشرق الأوسط على الرغم من الفوضى السائدة هنا. وفي الوقت الذي تم الحديث عن خطة الرد على الصين وتحدي طموحاتها وناقشا كيفية التعامل مع كوريا الشمالية وبرنامجها النووي لم يتم ذكر أي شيء عن العودة إلى الاتفاقية النووية أو التعامل مع طموحات إيران. ولم يتحدث ترامب الذي تباهى بإنجازاته الحقيقية أو المتخيلة عن صفقة السلام مع طالبان في أفغانستان ولا اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية. واذا كان الاميركيون تعبوا من الحروب الطويلة والخلافات التي لا تنتهي في الشرق الأوسط الذي استنفذ جهود الرؤساء الاميركيين منذ 40 عاما، واذا كانت أميركا لا تزال متورطة، فبايدن وترامب يعرفان ان الأميركيين يريدون التخلص من ورطتهم ، لكنهما ليس لديهما الخطة للخروج، او للتسوية، ولذلك لا داعي للانتظار!.

 ضرورة الانتظار! 

في المقابل، ترى اوساط لبنانية معنية بالتأليف، ان الانتظار يبدو ضروريا، لان من يقول ان لا تغيير في السياسات لا يقرأ ما يحصل من تحولات، فاذا اخذنا اسرائيل كنموذج وهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة، فمن المنطقي القول انه مهما كانت نتائج انتخابات رئاسة الولايات المتحدة، فسواء فاز المرشح الجمهوري أم المرشح الديموقراطي، فإنه من غير المتوقع أي تغيير في مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة، لكن التغيير المهم الذي سيطر هو في المكان الذي تحتله إسرائيل في سلم أولويات الإدارة الاميركية الجديدة. فإذا فاز ترامب، فستظل إسرائيل على رأس جدول أعماله السياسي. وإذا انتخب جو بايدن، فستهبط إسرائيل أغلب الظن إلى أحد الأماكن الدنيا في قائمة المواضيع التي تحتاج إلى معالجة خاصة مع الديموقراطيين، فهذا كان نهج إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته هيلاري كلينتون التي لم تزر إسرائيل خلال توليها منصبها. فهما وضعا في اولويتهما العلاقات مع بلدان الشرق الأقصى. وبايدن هو الآخر لن يمنح الشرق الأوسط أولوية عليا بسياسته الخارجية كرئيس، وهذا يعني حكما ان لبنان لن يكون موجودا على جدول اعماله، الا من «بوابة» تأثره بتحسن العلاقة مع ايران من «نافذة» اعادة انعاش الاتفاق النووي.

ولذلك اذا كان ترامب مهتما اليوم بملف ترسيم الحدود ويمكن الاستفادة من هذا الاهتمام لتمرير الحكومة التي ستواكب عملية التفاوض، فان وصول بايدن الى الرئاسة سيغير في الاولويات لانه سيسير على خطى اوباما، وهذا يعني ان الضغط على لبنان مرجح للانخفاض، وهذا سيكون مفيدا للفريق السياسي الذي يشكل اغلبية برلمانية اليوم، ولهذا يمكنه من تحسين شروطه التفاوضية حكوميا.

 اضراب... نفايات... و«كورونا»...

صحيا، توفي 14واصيب 796 بفيروس «كورونا» خلال 24 ساعة، ودعا وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن انه «يجب علينا أن نخفّف عدد الإصابات كي يتماشى صوتنا مع صوت الهيئات الإقتصادية والسياحية وغيرها في فكّ الإقفال الجزئي» وأعلن انه سيوجه كتابًا الى وزارتي الداخلية والعدل لمتابعة موضوع العلاقة مع المستشفيات الخاصة التي لم تفتح اقسامًا لكورونا. وعلى وقع اعلان اتحادات ونقابات قطاع النقل البري في لبنان الإضراب العام في 18 تشرين الثاني المقبل، وقطع الطرقات في جميع المناطق اللبنانية، تم حل ازمة النفايات مرحليا بعدما التقى وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني وفداً ضمّ النائبين أمين شري وفادي علامة، ورئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد درغام، وممثلين عن الشركات المتعهّدة كَنس النفايات وجَمعها في مختلف المناطق، واستأنفت الشركة أعمالها مساء يوم امس.