ليس عابرا قرار باريس مواصلة الانفتاح على حزب الله في زمن العقوبات الاميركية التي تخطت الحزب وباتت تطال حلفاءه حتى المسيحيين منهم بهدف محاصرته وإضعافه  وتأليب البيئة اللبنانية الحاضنة عليه. فبعد ان اصر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته بعيد انفجار مرفأ بيروت على توجيه دعوة لحزب الله للانضمام الى باقي القوى السياسية على طاولة «قصر الصنوبر»، وذهبت التحليلات بعيدا عن خلفيات انفتاح باريس على الحزب، لم تمنع الحركة الاميركية التي اطاحت جهود مصطفى اديب بوقت سابق حين قررت واشنطن فرض عقوبات على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، الادارة الفرنسية من مواصلة سياستها هذه. اذ بدا لافتا اللقاء الذي جمع أخيرا الموفد الفرنسي الى بيروت باتريك دوريل برئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، بما وصفته مصادر «الثنائي الشيعي» بـ«رسالة امتعاض فرنسية واضحة من أداء واشنطن في الداخل اللبناني».

وتشعر باريس ان الادارة الاميركية «تحرتق» عليها لبنانيا من خلال اصرارها على اصدار عقوبات على مسؤولين لبنانيين كل مرة تكون الامور فيها ايجابية واقرب الى البت، بما يتعلق بموضوع تشكيل الحكومة. ولا شك ان الفرنسيين يدركون تماما ان العقوبات التي فرضت على حسن خليل وفنيانوس كان لها أثر كبير ادى لاعتذار أديب، كما ان العقوبات الاخيرة على رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل ادت الى اشتداد العقد الحكومية وبالتالي، ادخال الملف في مراوحة تهدد مصير المبادرة الفرنسية ككل.

وتؤكد جولة  دوريل على المسؤولين اللبنانيين حرص فرنسا على اعطاء فرصة جديدة الارجح ستكون الاخيرة لمبادرتها، وان كانت اقتربت اكثر من اي وقت مضى من دخول مرحلة الاحباط بعد فشل اللبنانيين باصطياد الفرصة التي كانت متاحة والتي تجلت بالزخم الذي تركته زيارتا ماكرون الى بيروت. وفي هذا السياق، تقول مصادر مطلعة على الحراك الحاصل انه «رغم المساعي التي يبذلها المبعوث الفرنسي، الا ان الامور باتت معقدة اكثر مما يعتقد البعض، خاصة نتيجة اصرار جميع الفرقاء سواء اللبنانيين او في الخارج على انتظار النتائج الرسمية للانتخابات الاميركية واتضاح رؤية الادارة الجديدة في واشنطن للمنطقة والعلاقة مع ايران وحزب الله وملف العقوبات على المسؤولين اللبنانيين».

وتضيف المصادر: «هذا كله للاسف يحتاج اقله ما بين شهرين او 3 ليتضح، ما يعني عمليا الدخول في حالة جديدة من المراوحة التي لا يحتملها البلد المتخبط في ازماته والذي بدأ منذ مدة بانهيار لم يتضح بعد مداه».

وسيشكل فشل المبادرة الفرنسية صفعة قوية لباريس المتخبطة اصلا في اكثر من ملف في منطقة الشرق الاوسط ما بات ينعكس في الداخل الفرنسي المعرض بهزات جديدة في اية لحظة. فالى جانب الكباش الاميركي- الفرنسي على الساحة اللبنانية والذي يفضل البعض التعاطي معه على انه عملية توزيع أدوار، يتضح حجم الكباش الفرنسي- التركي خاصة في ظل مساعي انقرة لتفعيل دورها لبنانيا وزيادة نفوذها الذي يتركز في المجال الامني بعد تزايد الحديث عن تأثيرها في مجموعات متشددة قادرة على تحريكها في اي وقت.

الا ان المفارقة تكمن بعدم اضطرار تركيا الى لعب اي دور في هذا المجال للاطاحة بالمساعي الفرنسية وبمبادرة باريس، باعتبار ان الولايات المتحدة الاميركية قامت بهذا الدور، من حيث تدري او لا تدري!

وبانتظار جلاء المشهد اميركيا، في ظل اصرار الرئيس دونالد ترامب على رفض الاقرار بفوز جو بايدن وترقب ما اذا كان سيقوم خلال الشهرين المقبلين في سدة الرئاسة بحركة ما متهورة، كعمل عسكري ضد ايران بدأ الترويج له، سيكون اللبنانيون على موعد مع المزيد من الضغوط والتحديات الاقتصادية والاجتماعية بانتظار فرج خارجي بات مرتبطا حصريا بصندوق النقد الدولي في ظل الاحجام العربي والغربي عن مساعدة لبنان بعدما تكونت قناعة لدى المجتمع الدولي بأن كل ما يقدم للبنان يذهب هدرا وفسادا كما الى جيوب القادة السياسيين.