ما تزال الازمة الحكومية في عنق الزجاج بسبب الخلافات المستمرة حول تظهير التفاهم الذي حصل سابقا حول توزيع الحقائب على الطوائف واسقاط الاسماء عليها لا سيما وزارتي الداخلية والطاقة اللتين جرى حسمهما في حساب حصة المسيحيين.

وصار معلوما ان الخلاف المستحكم بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل يختصر هذه الازمة ويشكل الخلاف الاساسي الذي يعيق عملية التأليف، وان القطيعة بينهما تؤثر بنسبة كبيرة عليها وهذا ما دفع الموفد الفرنسي باتريك دوريل الى الضغط لاجراء الاتصال الهاتفي القصير والمقتضب بين باسيل والحريري سعيا الى كسر الجليد بينهما .لكن شكل ومضمون هذا الاتصال لم يفيا بالغرض.

ورغم الاجواء الملبدة المحيطة بعملية تشكيل الحكومة فقد استطاع الموفد الفرنسي تحريك المياه الراكدة فيها بعد التراجع والجمود الشديدين اللذين سجلا قبل مجيئه الى بيروت.

وبناء عليه تتوقع مصادر مطلعة ان يشهد الاسبوع الجاري عودة للمفاوضات الناشطة سعيا الى حل الخلافات التي حالت وتحول دون ولادة الحكومة، لا سيما الخلاف حول وزيري الداخلية والطاقة الذي يعتبر حله مفتاح الحل الكامل لمعضلة الحكومة.

وتعتقد المصادر ان هناك بعض الامل لاعتماد مقاربة جديدة في طرح الاسماء لتحقيق تفاهم بين عون والحريري خصوصا على هاتين الحقيبتين، خصوصا بعد التي مارستها وتمارسها باريس وآخرها خلال زيارة موفدها الرئاسي واعطائه مهلة جديدة الى المسؤولين اللبنانيين لتأليف الحكومة وفق المبادرة الفرنسية لا تتجاوز الاسبوعين.

لذلك فان الفرصة الفرنسية اليوم هي على المحك، خصوصا ان الازمة المالية والاقتصادية المتفاقمة لا تضغط على المبادرة الفرنسية بقدر ما تهدد لبنان واللبنانيين. وما يزيد من حراجة الموقف هو ان الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على لبنان لعبت وتلعب دورا في ارباك مبادرة باريس منذ 4 آب وحتى اليوم.

وفي اعتقاد المصادر ان مقولة تفاهم واشنطن وباريس على مسار وتفاصيل المبادرة الفرنسية هي مقولة خاطئة وفي غير محلها. فالادارة الاميركية متمسكة بسياسة العقوبات المالية والضغوط على حلفاء حزب الله كوسيلة اساسية لتشكيل الحكومة، بينما ترى باريس ان مثل هذه السياسة لم ولن تؤدي الى الحل بقدر ما تساهم في تعقيد الوضع اللبناني.

ووفقا للمعلومات فان الرئيس ماكرون لم يتخل عن سياسة تشجيع الحوار بين الاطراف اللبنانية التي اعتمدها منذ البداية سبيلا الى الاتفاق ليس على الحكومة فحسب بل ايضا على سلة الاصلاحات الكفيلة بفتح الابواب امام تأمين المساعدات والاموال اللازمة للبنان . لذلك فان موفده الخاص لم يثر موضوع العقوبات مع المسؤولين اللبنانيين لكنه في الوقت نفسه حذر صراحة وبلهجة حازمة من مخاطر اهدار المزيد من الوقت، مشددا على ضرورة مبادرتهم سريعا لتأليف الحكومة في مهلة لا تزيد على الاسبوعين.

وحسب المعلومات ايضا فإن باريس لا تجاري واشنطن في مسألة العقوبات، وهي غير مستعدة اليوم لممارسة السياسة التي تعتمدها الادارة الاميركية المنصرفة لاسباب عديدة ابرزها:

1- قناعة فرنسا بان هذه السياسة ربما بل ستؤدي الى نتائج عكسية او معكوسة وتزيد التصلب والخلافات بين الاطراف اللبنانية، وبالتالي تفشل الوصول الى مخرج للازمة اللبنانية.

2- رغبة فرنسا في عدم التخلي عن مبادرتها تجاه لبنان، وهذا يفرض عليها اولا ان تكون مقبولة من الجميع في لبنان لان فقدان هذا الشرط يعني انتهاء المبادرة.

3- لا ترى باريس انها تستطيع ان تلعب الدور الذي تلعبه الادارة الاميركية ولا تريد ان تلعب هذا الدور المتعلق باعتماد العقوبات المالية، لكنها تعتقد في الوقت نفسها انها يمكن ان تمارس ضغوطا اخرى ودورا فاعلا لتحقيق الاصلاحات ومعالجة الاخطاء والارتكابات المتعلقة بتهريب الاموال والفساد السياسي والمالي والنظام المصرفي.

وفي اعتقاد المصادر ان فرنسا ليست اليوم في صدد تعديل مبادرتها او تغيير الالية التي اعتمدتها منذ 4 آب خصوصا لجهة تبني سياسة واسلوب الادارة الاميركية، لكنها في الوقت نفسه لن تستمر في مبادرتها على ذات المنوال لفترة طويلة اذا ما استمر المسؤولون وقادة الاطراف اللبنانية يحرقون الفرص والوقت على حساب لبنان واللبنانيين.