لندع خيالنا يتماهى مع الخيال الهوليوودي. الظاهرة السيبرانية لن تقتصر مهمتها على اختراق الأدمغة الالكترونية. غداً، اختراق أدمغتنا. بالرغم من هذه الانجازات الأسطورية، تبدو الغريزة البشرية وقد توقفت عند ثقافة قايين وهابيل : كيف نقتل الآخر؟!

ما ينشر في الدوريات العسكرية الغربية حول الحرب السيبرانية بين ايران و«اسرائيل» يفوق التصور. العلماء «الاسرائيليون» الآتون من أرقى المختبرات التكنولوجية في الغرب، والكثيرون منهم ترعرعوا في وادي السيليكون، حيث صناعة الزمن الآخر، حققوا الكثير في هذا المجال. أحياناً تفوقوا على الأميركيين.

وكنا قد ذكرنا انه عندما أطلق الرئيس رونالد ريغان برنامج «حرب النجوم» في عام 1981، أي تثبيت منصات في الفضاء بامكانها تدمير أي صاروخ يطلق من أي مكان في الأرض خلال 7 أو 8 ثوان بزخات من الجزيئيات الالكترونية أو الاشعاعية (اللايزر)، توجه المدير التنفيذي للمشروع الجنرال جيمس أبرامسون الى «تل أبيب» للتوقيع على اتفاق يولي «الاسرائيليين» تصنيع بعض المعدات الحساسة الخاصة بالمشروع.

هكذا اخترق «الموساد» أرشيف البرنامج النووي الايراني، وتمكن من الحصول على معلومات قادته الى الرأس الذي وضع تصميم القنبلة. انه محسن فخري زادة الذي سقط في عملية احترافية مثيرة تركت وراءها الكثير من علامات الاستفهام حول الثغرات في البنية الأمنية الايرانية.

الايرانيون أيضاً مضوا بعيداً في الدخول الى العالم السيبراني. هذا ما يثير قلق «الاسرائيليين» والأميركيين على السواء. الصواريخ التي ضربت، ببرمجة فائقة الدقة وفائقة الفاعلية، قاعدة «عين الأسد» في العراق، انتقاماً لمقتل قاسم سليماني، هزت البنتاغون، كما هزت «تل أبيب» التي طالما راهنت على جنون دونالد ترامب في القاء القنبلة النووية على طهران.

انه الرهان التوراتي لبنيامين نتنياهو. ضربة استباقية تحول دون آيات الله وارساء معادلة التوازن النووي، ما يضع «اسرائيل» أمام «الهولوكوست الآخر»، بحسب روجر كوهين، الكاتب في «النيويورك تايمز».

محسن فخري زادة لم يعد هناك. هل تكفي، لحماية رجل بذلك الوزن، الأساليب الكلاسيكية اياها؟ لا جدوى من أي عملية ثأرية تستهدف سياسياً أو ديبلوماسياً «اسرائيلياً»، ما دام اختراق الحالة النووية في الدولة العبرية يبدو مستحيلاً حتى الساعة.

الانتقام بصناعة القنبلة، وان هدد الرئيس الأميركي بازالة ايران من الوجود. حتى وان كانت الغواصات الاسرائيلية المزودة بصواريخ تحمل رؤوساً نووية ترابط على مقربة من مضيق هرمز. وكانت صحيفة «دير شبيغل» قد ذكرت في الثالث من كانون الأول 2012 أن اسرائيل زودت الغواصات الثلاث من طراز «دولفين» التي ابتاعتها من ألمانيا بتلك الصواريخ.

الايرانيون لن يقوموا لا بعملية عسكرية، ولا بعملية استخباراتية، لا يكون لها تأثير «قاتل» على الأمن الاستراتيجي «الاسرائيلي». لن يقعوا في السيناريو الذي وضع باتقان لاستدراجهم الى الصراع العسكري، ولن يقفلوا الباب في وجه جو بايدن، بل يفتحون أمامه الباب، ولكن بطريقتهم الخاصة. كيف؟؟

مجلس الشورى الايراني قرر رفع مستوى تخصيب اليورانيوم من 3.67 في المئة الى 20 في المئة. خطوة أخرى وترفع النسبة الى 90 في المئة ما يعني أن القنبلة باتت بمتناول اليد.

ورقة حساسة جداً لعقد أي مفاوضات متكافئة مع الادارة الجديدة تعيدها الى اتفاق فيينا، بالتالي الغاء العقوبات، مع اعطاء مهلة ثلاثة أشهر للجانب الأميركي لتكريس الالتزام بالاتفاق. هكذا تكون ايران قد قطعت الطريق على كل ما فعله، وما يفعله، دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من أجل منع بايدن من العودة الى الاتفاق.

الأوروبيون تعاطفوا مع طهران. السناتور بيرني ساندرز وصف الاغتيال بالعملية الطائشة، والخارجة على القانون الدولي. الايرانيون يأخذون كل هذا بالاعتبار. الانتقام يبدأ من هنا...