صحيحٌ أنّ أحداً لم يعقد الرهان على مؤتمر الدعم الذي عقد في باريس أو أن يحرّر هذا المؤتمر الكثير من المساعدات الطارئة والعاجلة الإضافية للبنان الذي فشل في اقناع الرأي العام بحجم إنهياره ومصيبته في عزّها وأوجها بعيد انفجار المرفأ، إلا أنّ أحداً لم يكن يتوقع أيضاً أن يخرج بالصورة «الركيكة «التي حصلت.

وتقول أوساط سياسية أنه على الرغم من المشاركة الواسعة نسبياً في المؤتمر والتي شملت العديد من الدول، إلا أنّ الحجم جاء معنوياً، وكان أكثر من متواضع في ظلّ مقاطعة معظم رؤساء الدول والحكومات، حتى أنّ الحضور العربيّ جاء خجولا بغياب دولٍ لطالما اعتُبِرت داعمة له في شتى الظروف وخصوصا دول الخليج التي يبدو أنها قد إتخذت قرارا منذ اشهر بعدم مدّ يد المساعدة سوى بشروط سياسية، وفيما الشكل جاء خائبا كان المضمون مجموعة من «الإهانات» اللطيفة للطبقة السياسية في لبنان ورسائل صارمة تعمّد الفرنسيّون توجيهها قبل وأثناء المؤتمر وإن تضمنت تمديدا جديدٍا للمبادرة الفرنسيّة قد لا يتجاوز موعد زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المقبلة إلى بيروت.

وتقول هذه الاوساط أنه بخلاف ما توقّعه البعض والفرنسيّون من ضمنهم، لم يستغلّ السياسيّون اللبنانيّون الوقت الضائع بين الإعلان والمؤتمر لإحداث صدمة إيجابية عبر الذهاب إليه بحكومةٍ أصيلةٍ تلبّي تطلّعات المجتمع الدولي، بل اختاروا ببساطة تقطيعه حتى أنّ أيّ لقاءٍ ولو لرفع العتب لم يسجَّل على مستوى مفاوضات التشكيل، وهذا يعني بصورة واضحة وبعد الذل الذي يعيشه عموم الشعب اللبناني، أن هناك مشكلة «أخلاقية «في هذا الطقم العفن الذي يعي تماما أن البلد سيغرق وتدب الفوضى في الشوارع قبل بداية العام القادم بفعل الحاجة والعوز بالرغم من معرفة أهل السياسة بواقع الحال في كل بيت لبناني ولكن ما الذي يجري داخل هذه المنظومة ؟

هذه الاوساط أصبحت على يقين أن معظمهم يعيشون خارج البلاد فكريا مع فقدان الاحساس وموت الضمير وتسأل التالي : إما أن تكون كافة الاخبار والاحوال والاوضاع الاقتصادية والمجاعة وفيروس الكورونا غير متواجدين ويشكلون مجموعة من الشائعات أو أن الساسة في لبنان لا يملكون أية فئة دم يمكن البناء عليها للمعالجة، وغير ذلك لا يمكن تصورهم سوى عاجزين ومرتهنين ومرهونين للخارج بعيدا عن شعبهم ! كيف للناس أن تحيا وتعيش وكل هذا الظلم يلاحقهم مع أولادهم ليل نهار وما من أحد يتحرك ....

حتى أهل فرنسا، وحسب معلومات هذه الاوساط، يتحركون في المدن والقرى هناك ويجمعون التبرعات العينية والمالية وحث الدولة الفرنسية على مساعدة شعب لبنان، فيما أهل السلطة في حقيقتهم نائمين مع شلة من عصابات السرقة وتشليح أموال الناس وعدم القدرة على إدخالهم الى المستشفيات والدولار لا تملكه سوى هذه العصابة كما أطلق عليها هذه الصفة أكثر من نائب ولكن لا حياة في من يفقتقد الحياء والخجل !؟

ولم يخرج مؤتمر باريس عن هذه التطلعات والمعرفة للطبقة السياسية الحاكمة وقد يكون ما سبق مؤشّراً على إنعدام التوقّعات المُسبَقة من إمكان تحقيق أيّ خرق من المؤتمر ولو أنّ لبنان الرسمي سعى من خلال كلمة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى مخاطبة وجدان المجتمع العربيّ والدوليّ عبر الترحيب بأيّ مساعدة أياً كانت بل عبر مباركة الآليات التي تتجاوز مؤسسات الدولة إذا كانت تلك الوسيلة هي التي تضمن وصول المساعدات إلى مستحقّيها، إلا أنّ مثل هذه الإشارة أيضا لم تصل للمجتمعين بشكلٍ واضح خصوصاً أنّ غياب النتائج الحسّية للمؤتمر أتى معطوفا على رسائل قاسية وجّهها المجتمعون إلى الطبقة السياسيّة اللبنانيّة بقيادةٍ ومباركةٍ فرنسيّة، علماً أنّ ماكرون كان أكثر من واضح من خلال تنديده بسلوك هؤلاء السياسيين الذين قال إنّه سيزورهم مجدّداً خلال الشهر الجاري بهدف تفعيل الضغوط عليهم، أقلّه لتحقيق ما وعدوه به خلال مناقشة خارطة الطريق الفرنسية، وحسب هذه الاوساط ان فرنسا تعي تماما أن إمكانية زوال لبنان المعروف فرضية حاصلة ما لم يستفق أهل الساسة ويعودون الى بلادهم بالفكر والجسد !؟