كثيرون يعللون سبب الانهيار المالي الذي يشهده لبنان بسياسة المحاور وتحديدا سلاح حزب الله ظنا منهم ان عدم اتباع الدولة اللبنانية سياسة النأي بالنفس هو الذي جلب الويل عليها وارهق مؤسساتها وعزل الدولة عربيا ودوليا، وبالتالي، اصبح الوضع الاقتصادي والمالي يتدهور شيئا فشيئا الى ان تحول الى ازمة مالية غير مسبوقة في تاريخ لبنان.

انه امر مضحك مبكي ان ترمي الطبقة الحاكمة والمتناوبة على الحكومات وفي المجلس النيابي التهمة على حزب الله، في حين ان الانهيار المالي سببه السرقة التي قامت بها القوى السياسية التي حكمت منذ انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية حتى يومنا هذا.

باستثناء دعوة البطريرك الراعي الى الحياد الايجابي الذي له مردود خير على لبنان الجميع يستغلون هذه الحجة لمكاسب سياسية وشعبوية، ذلك ان لا مبرر منطقياً بان حزب الله وسلاحه هو الذي خرب لبنان ماليا واقتصاديا ومعيشيا. السبب الرئيسي والابرز للحالة التي اوصلت لبنان الى ما وصل اليه هو السرقة المتواصلة من الطبقة الحاكمة للوزارات وصرف النفقات وفقا لمصالحهم وابرام صفقات باسم الدولة، ولكن مردودها كله ذهب الى جيوب سياسيي لبنان، ناهيك عن كل المساعدات المالية التي اعطيت للدولة اللبنانية عبر مؤتمرات عدة والتي صرفت بشكل عشوائي والبعض منها نهب ايضا. ذلك اننا كمواطنين لبنانيين لم نر اي تطور في البنى التحتية او في مشاريع حكومية وفرت فرص عمل وفيرة للبنانيين بل استمرت الهجرة وتحديدا هجرة الشباب الى الخارج.

للاسف، لم يشبع سياسيو لبنان من السرقة والهدر وصرف النفقات بشكل غير مدروس بل استمروا في هذا النهج وفي الاستيلاء على المال العام واستخدامه لمصالحهم وليس لمصلحة الشعب. لم يتوقف النهب يوما الى ان «جففت» الطبقة الحاكمة، خزينة الدولة من الاموال. كانت الدولة اللبنانية طوال السنوات الماضية «مغارة علي بابا» بالنسبة للطبقة الحاكمة فما من صفقة الا ومشبوهة وما من اعمال تحت شعار « الاعمار» الا وتشوبها الشبهات، حيث غالبا ما توزعت اموال المشاريع عمولة على المنتفعين والمخالفين للقانون، اما النسبة الاكبر من المال، فكانت من نصيب السياسيين بينما جزء قليل من هذه المشاريع نفذ والباقي ظل حبرا على ورق.

واذا تكلمنا عن تعطيل الرقابة على كل مرافق الدولة فحدث ولا حرج. الطقم الحاكم حتى بعد عام 2005 وانضمام الافرقاء الذين كانوا مبعدين في الحقبة السورية لم يظهروا نهجا مختلفا في الاداء السياسي فبقيت المؤسسات ذات الصلاحية في تطبيق دور الرقابة على الوزارات والمجالس والهيئات المالية وغيرها «معطلة».

والقوى السياسية التي ادعت انها معارضة وتقف بوجه اي عملية فساد لم تقم بدورها في مجلس النواب عبر مساءلة الحكومة او تقديم اي اعتراض على الاداء الحكومي سوى بالكلام. باختصار، لم تنشئ حتى اليوم معارضة حقيقية من الاحزاب السياسية اللبنانية، لان المعارضة غير المزيفة لا تنسحب او تعترض على اداء حكومة بعد ان ينفجر الشارع غضبا. المعارضة الحقيقية تكون في الصف الاول في رفع الصوت فعلا وقولا تنديدا باعمال غير قانونية عند حصولها في الدولة.

والحال ان لبنان نهب من سياسييه وان الاصوات اليوم التي تحمّل حزب الله مسؤولية الحالة المالية والاقتصادية المتدهورة نسيت انها جزء من الطقم الحاكم الذي شارك في الحكومات وفي المجلس النيابي والذي شارك في الفساد او تغاضى عنه. ومن يغمض عينيه على الفساد فهو متآمر ايضا ومتورط وان كان بشكل غير مباشر.

انطلاقا من ذلك فلنتكلم بصراحة: ان السرقة والصفقات والتراخي في تطبيق القانون لا بل خرقه مرات عدة ادى الى اهتراء مؤسسات الدولة. ذلك ان ما من قوى سياسية حملت مشروعا لبناء دولة فعلية، فظهر ان ما تقوله في العلن لا يشبه ممارساتها على ارض الواقع. ما من قوى سياسية من كل الذين ينادون بشعارات شعبية حبذت وجود دولة حقيقية في لبنان، بل ارادت ان يبقى لبنان دولة من ورق.

في المقابل ندرك جيدا ان حزب الله اثار حساسية الدول العربية والتطورات التي حصلت في المنطقة وخاصة في اليمن التي ادت الى تدهور العلاقة مع لبنان. ونعلم جيدا ان الدول العربية ادارت ظهرها للبنان ولا تريد مساعدته في ازمته المالية كما في الماضي. وهذا ما يزعج كل القوى السياسية التي حكمت وتحكم وتتناوب فيما بينها انها لن تحصل على المال من السعودية او اي دولة عربية اخرى؟ وهنا السؤال الذي يطرح نفسه : في حال اعطت الدول العربية مساعدات مالية هل كانت لتحل الازمة اللبنانية المالية؟ ان هذه الاموال من الدول العربية في حال اعطيت كانت ستصب في خانة سياسة الترقيع للمؤسسات المنهارة والتي ينخرها الفساد ولكنها لن تستطيع معالجة الازمة هذه المرة.

اي مساعدة مالية من اي دولة او مؤسسة عالمية دون اصلاحات ودون الحفاظ على القانون وعدم المس به سيكون بمثابة ابرة مورفين وترقيع على غرار ما كان يحدث سابقا. ان المساعدات المالية التي حصل عليها لبنان في الماضي القريب اطالت بعمر السلطة الفاسدة وليس بعمر الدولة اللبنانية المهددة بالزوال اليوم.

من هنا كفى تحاملا على حزب الله وعلى سلاحه الذي حقق انتصارا على «اسرائيل» خلافا لكل انواع الفشل الذي قدمته معظم القوى السياسية من موالاة ومن معارضة مزيفة. نعم توقفوا عن هذه الحملات السيئة والسلبية والمسمومة بحق المقاومة التي قدمت التضحيات دفاعا عن ارض الجنوب بوجه العدو الاسرائيلي، ولا تزال المقاومة تشكل حصناً منيعاً امام اطماع «اسرائيل» العدوّة او اي دولة اخرى.