زعماء الطوائف يلعبون «صولد» للحفاظ على ما تبقى لهم من بقايا الدولة المتهالكة حتى العظم والقتال بوجه كل من يريد سلبهم ولو اليسر القليل من امتيازاتهم، و استنفروا كل عصبياتهم وجمهورهم للدفاع عن مغاورهم وتناسوا خلافاتهم وعنعناتهم، وتوحدوا حول الاستاذ والزعيم والبيك والرئيس والفخامة والمعالي والشيخ في وجه كل من يتطاول على المحميات وصناديق الطوائف، وبات «الدق» في هذه المقامات والمحميات «دق» بالطوائف وانتقاصاً من حقوقها، وظهر الانتماء الطائفي اقوى من الوطن، وحق الطائفة حق مقدس يتقدم على حقوق الوطن وقوانينه ومؤسساته، كما ظهر ان المحميات السياسية مدعومة ومغطاة بمحميات ومرجعيات دينية تععم النفس الطائفي على حساب مصلحة الوطن. 

وبعد دعم المجلس الشيعي الاعلى للرئيس بري ودار الفتوى للرئيس دياب ولموقع رئاسة الحكومة، تحركت مشيختا عقل الدروز بفرعيها الجنبلاطي والارسلاني ضد التطاول على «المغارة» الدرزية اي وزارة المهجرين واحالة 17 موظفا للتحقيق بينهم مدير عام الوزارة احمد محمود، واعتبار ذلك تطاولاً مرفوضاً على الدروز، واصدر شيخ العقل المحسوب على ارسلان و فريق 8 اذار ناصر الدين الغريب بياناً تحذيرياً ضد ما صدر تجاه موظفي المهجرين من دعاوى قضائية داعياً الى فتح كل ابواب الفساد، وهذا ما اثار نشوة جنبلاط الذي اتصل بالغريب شاكراً، واستدعى ذلك ايضا سلسلة اتصالات بالغريب من مقربين لجنبلاط واعضاء في المجلس المذهبي، كما شملت اتصالات الشكر والثناء ارسلان، وسقطت فورا كل تحفظات الماضي القريب والبعيد ومعها الخلافات السياسية، لان مصلحة الطائفة وامتيازاتها وعنفوانها تقتضي ذلك، وباتت الصورة وكأن «الدق» بأي موظف في وزارة المهجرين هو «دق» بالمحرمات، رغم ان نصف المدعى عليهم ليسوا دروزاً ويتبعون لامل والاشتراكي والمستقبل والتيار الوطني الحر.

لكن السؤال الاساسي، كيف يمكن الدفاع عن ملفات مكشوفة بهذا الشكل، واذا كانت وزارة المهجرين نجحت في طي ملف جروح الحرب وعودة اهالي الجبل وختم ملفات كان حلها شبه مستحيل فان ذلك لا يبرر حجم ماحصل غير المحصور بالمهجرين، بل هو معمم في كل ادارات الدولة، وهذا ما يفرص فتح ملفات كل الوزارات والادارات دفعة واحدة وليس «المهجرين» فقط او هذه الوزارة او تلك، لان الانتقائية تجعل التشكيك مبرراً سياسياً وشعبياً ومذهبياً ووضعه في خانة الاستهداف لهذه الطائفة او تلك او لهذا الفريق السياسي او ذاك..

وفي المعلومات المؤكدة، ان قرار فتح قضايا الفساد لا يقف خلفه رئيس الجمهورية ولا اي جهاز امني، بل يعود لقرار دولي بفتح كل الملفات من وزارة الطاقة الى النفايات والمشاريع والتلزيمات والمهجرين والمجالس وانفجار المرفأ وستشمل التحقيقات مرجعيات ومقربين للمرجعيات ومديرين محسوبين على التيار الوطني الحر وكل رموز المرحلة الماضية، « ولاخيمة فوق رأس احد» وتملك واشنطن وفرنسا ومصر كل التفاصيل عن الاوضاع المالية، وهناك من زوّد هذه الدول بكل الملفات الكبيرة والصغيرة، وهذا ما اكده ماكرون بالقول «نعرف كل التفاصيل»، ولا يمكن للقاضي فادي صوان الاقدام على هكذا خطوة لولا القرار والغطاء الدولي، وهذا ما ظهر من خلال عدم تراجعه عن التحقيق مع رئيس الحكومة المستقيل غدا رغم الاستنفار السني الشامل، وهذا ما يؤكد ان الترجمة الدولية لسحب الغطاء عن الطبقة السياسية ومحاسبتها قد بدأت، وبالتالي، فان الاستدعاءات ستتوسع لتشمل رؤساء حكومات سابقين ووزراء وعسكريين، وسترد المنظومة السياسية بكل قوتها وعصبياتها الطأئفية وقد تحرك الشارع لافشال التحقيقات، واذا استطاعت تعطيل الخطوة الاولى، فإنها تكون قد فرملت كل الخطوات اللاحقة، وعندئذ قد تجد الطبقة السياسية نفسها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي المصرّ على عدم التراجع عن التحقيقات واتخاذ قرارات لفرض شروطه بالتدويل والحزم الامني.

وفي المعلومات، ان عجز الطبقة السياسية عن ترميم اوضاعها ومعالجة ندوبها كما كانت تفعل في الماضي، بات امراً واقعاً ومعاشاً وملموساً، ولا يحتاج الى براهين بفعل عمق الازمة، و«القلة بتولد النقار» بعد ان جف حليب الدولة، ولذلك بات التطبيع بين اركان الطبقة السياسية مستحيلاً وكل فريق يحاول التنصل من المسؤولية وحماية نفسه، ولذلك لاحكومة في المدى المنظور، ومهما حاولت القوى السياسية نفض يديها ومسؤوليتها مما آلت اليه احوال البلاد المأسوية والاصرار على المحاضرة في العفة والعفاف، فان ذلك لن يجوز على احد داخلياً واقليمياً ودولياً، والتغيير بات حاجة لاعطاء الفرصة لطبقة جديدة تنقل البلد من ضفة الى ضفة عبر اجراء انتخابات نيابية عام 2022 بإشراف دولي يمنع التلاعب بالنتائج ويضع ضوابط مالية عبر قانون انتخابي يؤمن وصول كتلة نيابية بارزة مؤمنة بالتغيير وقادرة على المجيء برئيس للجمهورية غربي الهوى واختصاصي من الدرجة الاولى وخارج المنظومة الحالية، وبدأ «اللوبي اللبناني العربي الدولي» يُسرّب اسماء من هذه «القماشة»، وكذلك خوض كباش كبير حول موقع رئاسة مجلس النواب وسياساته، مع اشراف دولي مباشر على المرحلة الجديدة لتأمين نجاحها، و هذا ما يفرض استمرار الاجراءات القضائية وسقوط المحرمات وضرب هيبة الجميع كمقدمة لازالة كل الالغام التي تعيق البدايات الجديدة ودفن مرحلة ما بين 1991 و2020.