لبنان بلدُ خوض غمار الحياة، شعارٌ لا بدَّ أن يرافقك ما دمت تعيشُ في بلد المحسوبيات واللامواطنة. البلدُ الذي تنزلُ عليه الكوارثُ دفعةً وراء دفعة، ويعوم الفساد في مختلف مؤسساته واستثماراته ويتعقبُ فضائحه جمعٌ من النواب الذين ينادون بمحاربة الفساد ناهيك عن القنوات الإعلامية التي تبحثُ عن فضائح من أجل محاربةِ رزمةٍ من الفاسدين لكن دون جدوى بسبب الضغط أو حتى لأسباب أخرى.

عند هذه النقطة المفصلية تهاوى كثيرون وسقطت أقنعةُ العديد من الشخصيات... عند نقطة إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب سقطت كل القيم والشعارات المطالبة بالتحقيق بهذه الجريمة المؤلمة، وكل ما أنجز منذ 4 آب حتى يومنا هذا هو الترحم على الشهداء، وعفا الله عما مضى ريثما يقررُ المعنيون أن يحترموا عقول الناس الذين يطالبون بتحقيقٍ عادلٍ وشفاف.

ومن ملفات الفساد التي ستبقى عالقة كارثة مرفأ بيروت التي لن ننساها، تتجه الأضواء الى تشكيل الحكومة وإعادة المسار من أجل تسريع تأليف الحكومة. لا عجب في لبنان خلطٌ للأوراق وتعدٍ على الدستور وغمزٌ على الطائف.

وضمن المساعي الآيلة للإفراج عن تشكيل حكومة لبنانية شهدت الأيام الأخيرة حراكاً ومروحة من الإتصالات بغية الخروج من نفق الجمود الذي أصاب التشكيل نتيجة تباعد في الرؤى بين القوى السياسية خاصة التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون.

فبعد اثني عشر لقاءً جمع الرئيس عون بالرئيس المكلف سعد الحريري لم تفض هذه اللقاءات الى تقاطع يعيد جرعة التفاؤل التي سادت إبان التكليف، من هنا أتت زيارة الرئيس المكلف الى بكركي ولقاؤه بالبطريرك الماروني الراعي في محاولةٍ منه للحصول على غطاءٍ مسيحي للتشكيلة التي قدمها الحريري لرئيس الجمهورية، إلا أن البعض رأى في هذه الزيارة توضيحاً أراده بيت الوسط للتصويب نحو قصر بعبدا خاصة في ما يتعلق بالسجال حول الصلاحيات ومواد الدستور المتعلقة لتأليف الحكومة يُضافُ الى ذلك الإمتعاضُ الداخلي الذي أبداه الحريري من تجيير الصوت المسيحي وإسناده حصراً برئيس الجمهورية، وهذا ما فسره مقربون من الحريري بأن نيران بعبدا السياسية مصوبةٌ على مساعيه لعرقلة إخراج حكومةٍ لبنانيةٍ بالشكل الذي يراه الحريري الى العلن. هذا ما دفع بالبطريرك الماروني لزيارة بعبدا في محاولةٍ قيل انها لتقريب وجهات النظر، حيث شدد الراعي من خلال اللقاء على ضرورة تجنب الجميع المماحكة السياسية والإصغاء الى صوت الشارع نتيجة الحالة الملحة لتشكيل الحكومة.

هذه المشهدية تقاطعت أيضا مع الزيارة التي قام بها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الى بكركي ولقائه البطريرك الراعي حيث كانت زيارة تقاطعية إذا صح التعبير من خلال ما نقلت مصادر بأن المعايير التي تمسك بها التيار الوطني الحر والتي أوكلها الى رئيس الجمهورية ما زالت ضمن الثوابت التي ينطلق منها التيار وبالتالي هذه الأمور ربما تعيق أكثر مسألة خروج الحكومة الى الضوء أو تصاعد الدخان الأبيض من بعبدا.

المشهد هذا كله مرتبطٌ بالإجراءات الدولية البعيدة كل البعد عما يحصل في لبنان بعد إنكفاء ماكرون عن الزيارة التي كانت مقررة الى لبنان بسبب إصابته بفايروس كورونا لتبقى الساحة اليوم تعيشُ حالة ترنحٍ حقيقية، ومراوحة حقيقية، ويبدو أن لا حكومة في الأفق القريب.