عادت الحلحلة لتطلّ برأسها من نافذة الملف الحكومي خصوصاً بعد الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس المُكلّف سعد الحريري الى قصر بعبدا والتي وُصفت بالإيجابية. ولكن بعيداً عن نتائج هذه الزيارة وما إذا كانت ستؤدي حقاً الى تسريع عجلة التأليف، فإن المواقف الاقليمية والدولية من الواقع اللبناني لم يطرأ عليها أقلّه حتى الساعة أي تغيير، حيث تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن موقف الولايات المتحدة الاميركية حيال مسألة تشكيل الحكومة ما زال على حاله لناحية مشاركة حزب الله في الحكومة الجديدة وهي ترفض بالمطلق هذا الامر اقله إدارة الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب، والذي حسب الوقائع المحلية والدولية بدأت هذه الادارة بتهيئة سيناريوهات مقلقة، ليس في لبنان، فحسب، إنما في المنطقة ككل، وهي في أدنى توقعاتها سلبية للغاية من النواحي السياسية والامنية والاقتصادية.

وترى المصادر ان الولايات المتحدة تحاول بشتّى الوسائل منع حزب الله من تعزيز شرعيته الدولية وصورته امام الرأي العام اللبناني للاستمرار في عملية التقدم «للسيطرة تدريجيا على المؤسسات في لبنان حسب سياستها المعتمدة» وإن إدارة ترامب لن تتساهل في السماح لأي مشاركة جدية ومباشرة للحزب في أي حكومة سواء ترأسها الحريري أو سواه، لأن الاميركيين يسعون فعليا الى تقليم أظافر حزب الله في لبنان ومحور الممانعة في كل من سوريا والعراق على حد سواء.

والشروط الاميركية حسب هذه المصادر، تحاول فرض عقوبات ليست مالية فحسب، إنما عسكرية أيضا للمراهنة على تراجع تكتيكي واستراتيجي داخل الدولة، وذلك من اهم الاهداف الاميركية المعلنة، وأوروبا ليست بعيدة حتى الساعة عن هذه الاهداف، إنما وفق مقاربة مختلفة عن السيناريو الاميركي خصوصا لناحية إعادة إحياء الاتفاق النووي مع ايران بشروط جديدة، ويتلاقى مع هذا الامر أيضا موقف المملكة العربية السعودية التي ترفض بدورها إعطاء الحزب أي غطاء سني، اذ انه ورغم الليونة الخليجية الظاهرة غير ان المملكة لا تحبّذ المرونة الى هذا الحد، خصوصا وان حزب الله يملك الاكثرية النيابية وأن حليفه الأساسي هو رئيس الجمهورية، لذلك فهي تفضل حرمانه من الغطاء السني الوازن، الا أنها وفي الوقت نفسه اختارت مؤخراً الوقوف بعيداً عن التدخل في الصراعات الداخلية للبنان.

من هنا ترى هذه المصادر أن التفاؤل الذي صدر من بعبدا على لسان الحريري والايجابيات التي تحدث عنها بإقتراب ولادة الحكومة قبل الاعياد يمكن أن يكون الامر مبالغ فيه، وكافة المؤشرات توحي أن هذه الحكومة من الصعوبة بمكان أن ترى النور قبل نهاية السنة الحالية، وبالرغم من كون السعودية، ووفق هذه المصادر، تحاول تجنّب الخوض في الاشتباك اللبناني، لكن رأيها واضح في هذه المسألة، لذلك فهي تكتفي ببعض التوجيهات الاستراتيجية من دون الدخول في الكباش المرتبط بالشأن الداخلي.

ويبقى أيضاً الخلافات الداخلية التي تكمن في التفاصيل الاخيرة حيث الشيطان يسكن فيها مع عملية توزيع للحصص الوزارية التي تشكل صورة واضحة للعودة الى البدء حيث التفاصيل المملة والحسابات الصغيرة في بلد يلفظ أنفاسه الاخيرة على كافة الصعد والعام القادم يحمل في طياته صعوبات بالغة الدقة ليس على الناس، فحسب، إنما على الكيان بحد ذاته في ظل إجماع من هنا وهناك على أن الطائف لفظ أنفاسه الاخيرة، وما على المسؤولين سوى إنتظار موعد الدفن!؟