يودع اللبنانيون عاما كان الاسوأ عليهم في العقود الاخيرة، اذ اصيبوا بثلاثية انحلال الدولة التي بشر وزير خارجية فرنسا جان ايف - لودريان، بأنها الى زوال، وشبه لبنان بسفينة «تايتانيك» التي غرقت لكن دون موسيقى وان اكثر من نصف الشعب وصل الى خط الفقر، الذي لن يتوقف عن الارتفاع مع ازدياد الضغوط المالية لجهة ارتفاع سعر صرف الليرة امام الدولار، ستة اضعاف ما كان عليه على مدى نحو 25 سنة من الاستقرار النقدي، وخسارة حوالى 80% من القدرة الشرائىة للمواطنين حيث يضاف على ذلك جائحة «كورونا» التي وصلت الى لبنان كما دول اخرى وشلت فيه الحركة الاقتصادية بسبب الاقفال المتكرر المعطوف على ازمة مالية واقتصادية نتج عنها اقفال آلاف المؤسسات وصرف العمال والموظفين.

فالعام 2020 كان عاما مأساويا على اللبنانيين وكانت بوادر حلول الكارثة قد بدأت تظهر منذ سنوات بعيدة وتحديدا في العام 1997 بسبب سياسة الاستدانة التي اتبعت والصرف على مشاريع غير انتاجية تعزز الاقتصاد وتنوعه، وتوفر من فاتورة الاستيراد، وتخلق توازنا بين الصادر والوارد اقله وهو ما لم تمارسه الحكومات المتعاقبة، وتجاهلته القوى السياسية التي وصلت الى السلطة منذ ما بعد اتفاق الطائف، حتى انفجار الشارع بحراك في 17 تشرين الاول 2019 لكنه لم يؤد الى حصول تغيير لا في هيكلية الدولة ولا في تطوير نظامها السياسي ولا في ابعاد اهل السلطة عنها، بل عادوا اقوياء، بدليل اعادة ترشيح سعد الحريري لنفسه لرئاسة الحكومة، وتسميته، واستمرار تشكيل الحكومة بالعقلية والتقليدية نفسها، والتي تقوم على الطائفية والمحاصصة والصراع على الحقائب والاسماء وشكل الحكومة، دون ان يهتز للمسؤولين جفن، او يتحرك فيهم ضمير، وفق وصف مصدر سياسي، للواقع اللبناني الذي يزداد تعقيدا في عدم تشكيل حكومة، مع تخطي كل المهل التي اعطيت سواء من الرئىس الفرنسي مانويل ماكرون، الذي طرح مبادرة لمساعدة لبنان، ترشح الحريري تحت سقفها، لكن لم يتمكن من ان يؤلف الحكومة لشروط وعراقيل داخلية، لا سيما الخلاف بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف سعد الحريري.

فتشكيل الحكومة تم ربطه بأزمات المنطقة مما يؤكد على ان لبنان ما زال ساحة لمصالح الامم ونفوذها، وان الجميع مسلّم بأن ولادة الحكومة ستتأخر الى ما بعد تسلم الرئىس الاميركي المنتخب جو بايدن، وما سيحصل في موضوع الاتفاق النووي مع ايران الذي تنكر له الرئىس الاميركي الخاسر دونالد ترامب، اذ ترى المصادر بأن هذا الملف سيكون له تأثير على لبنان لجهة الاتفاق الاميركي - الايراني، وقد سبق ان شهد لبنان انعكاسا لصراع المحاور عليه، وتمركز اطراف لبنانية في هذا المحور او ذاك، وكان لواشنطن الدور الافعل في لبنان ومشاريعها في المنطقة، منذ الخمسينات، اذ كانت الحروب الداخلية في لبنان او الخارجة عليه هي نتاج المشاريع الاميركية منذ مشروع الرئيس دوايت ايزنهاور في محاربة الشيوعية الى مشروع التوطين الفلسطيني، لوزير الخارجية جوزف سيسكو، ومن بعده هنري كيسنجر في السبعينات، ثم مشروع الرئيس الاميركي دونالد ريغان للسلام في العام 1981 وبعد ذلك مؤتمر مدريد وتبعه مشروع الرئيس الاميركي جورج بوش الابن للشرق الاوسط الجديد حيث كان لبنان موجودا في كل هذه المشاريع ويتأثر بها في ازمات سياسية ودستورية، الى مشاكل اقتصادية واجتماعية وحروب اهلية.

ومن يحجز تشكيل الحكومة هو الادارة الاميركية الراحلة من البيت الابيض، التي منعت ان يكون «حزب الله» مشاركا فيها، فلجأ الرئىس المكلف، الى صيغة حكومية من غير الحزبيين لكنه لم يوفق ولم ينجح في تمرير اسماء لم يرض عنها الرئىس عون وكذلك توزيع الحقائب، وهذا ما وضع الحكومة في خانة التأجيل ليس الى دخول بايدن البيت الابيض، في 20 كانون الثاني المقبل بل الى ما بعد ذلك في فترة زمنية طويلة قد تمتد الى الصيف المقبل، وفق المصادر، التي تشير الى التباطؤ الذي اصاب المبادرات، سواء الفرنسية، او حركة بكركي باتجاه الرئيسين عون والحريري التي قام بها البطريرك الراعي والذي وصلت الى طريق مسدود، فوجه انتقادات الى من بيدهم تشكيل الحكومة، لا سيما رئيسي الجمهورية والمكلف.

ومع التعثر الذي اصاب تشكيل الحكومة الى اجل غير مسمى، فإن اللبنانيين يستقبلون العام الجديد مع الازمات التي يعيشونها وقد اصابهم اليأس من حكام باتوا بلا ضمير، وهم يرون الشعب يئن من الفقر والجوع والبطالة، وعليه ان يتحمل مسؤوليته، في مواجهة القوى السياسية الحاكمة، ببرنامج وقيادة، لا غوغاء وفوضى.