قتلتمونا بالثرثرة...

الثرثرة حول الدستور، الثرثرة حول الكورونا، الثرثرة حول الحكومة، الثرثرة حول الطائف، الثرثرة حول التطبيع، الثرثرة حول الصلاحيات (في جمهورية فقدت صلاحية البقاء). في آخر المطاف، هنيئاً لمن له مرقد عنزة في... جهنم!

أمام الملأ، لسنا أكثر من فقاعات بشرية تثير السخرية أكثر بكثير من أن تثير الرثاء. وليسمعنا مايك بومبيو الذي يحاول، ولو عبر العقوبات الكاريكاتورية، أن يبقى في الضوء، بعدما اغتسل ولي أمره بالوحول (والدماء)، وليسمعنا ايمانويل ماكرون الذي عليه أن يعلم أن لبنان لم يعد ينتج حتى أشباه اللبنانيين...

نقول لأصحاب الشاشات املأوا الهواء بالوجوه الجميلة، من كارلا حداد الى رهف عبدالله الى هيفاء وهبي. لقد سئمنا الوجوه القبيحة (والرديئة)، وسئمنا الأدمغة الببغائية. ماذا ننتظر من البلد الذي يتولى فيه السحرة، والمشعوذون، وأساقفة العدم، سوقنا الى الخلاص. أي خلاص؟

غداً، حين يأتي خبراء صندوق النقد الدولي الذين غالباً ما يتعاملون مع المجتمعات على أنها مستودعات لأنصاف البشر، لن يجدوا أمامهم سوى الهياكل العظمية. انتبهوا، شعار المرحلة المقبلة «شدوا الأحزمة». أن نشد الأحزمة على عظامنا، ويشد نجوم الجمهورية الأحزمة على رقابنا.

نحن القصاصات البشرية الضائعة بين ثقافة الغيب وثقافة الغيبوبة، شككنا حتى بالكورونا الى أن غصت بنا غرف العناية الفائقة، والى أن غصت بنا المقابر، تحت مقولة «اللي بيجي من الله ما أحلاه». وها نحن نمضي، بخطى حثيثة، نحو الجحيم، بعدما تأخرنا، بالثرثرة اياها، في الاستحصال على اللقاح، اذا ما علمنا أن الدفعة الثانية منه على وشك الوصول الى اسرائيل التي نسأل (ونحن الذين دحرناها ) لماذا لا تكون النموذج لنا في الشفافية، وفي الفاعلية، وفي المساءلة والمسؤولية؟

لطالما فاخرنا بأننا لا نمتّ الى البداوة بصلة، وبأننا أهل الحداثة في المنطقة، كيف تصرفنا خلال الأعياد؟ قبائل همجية ونرقص، على قرع الطبول، فوق جثث موتانا...

مشكلتنا أننا من دون دولة، ومن دون حكومة، ومن دون أي منظومة للقيم. أحد معلقي «الفايننشال تايمز»، استغرب كيف ان ساستنا غارقون في حرب الصلاحيات، وفي حرب الحقائب، وقد بات اللبنانيون «رعايا العراء»، ودون أن يدرك هؤلاء الساسة أنهم لن يعودوا أكثر من حراس القبور بعدما اضطلعوا، بعبقرية منقطعة النظير، بدور حفاري القبور.

المعلق الذي استعرض أزمة الكهربا ء، وأزمة الماء، وأزمة الطرقات، وأزمة الخزينة، وازمة الدين العام، وأزمة الليرة، لاحظ كيف تواطأ ملوك المافيات حتى مع الجرذان في أزمة القمامة.

هؤلاء كيف لهم أن يواجهوا أزمة بحجم الجائحة؟ بعدما وعدنا بأن نكون بين أوائل الدول التي تحصل على لقاح الـ«Pfizer»، تقول المعلومات المتداولة ان 19 دولة استحصلت، حتى الآن، على اللقاح، ودون أن نعلم لماذا لم نتوجه، أيضاً، الى لقاحات أخرى، الا اذا كانت للبنك الدولي شروطه داخل الغرف المقفلة.

على كل حال، اعتدنا على هذا الطراز من الوعود. نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي، زف الينا «البشرى» في الخريف المنصرم بتزفيت طريق ضهر البيدر الذي لم يعد صالحاً، أيها السادة، حتى لـ«السادة البغال». لم نكن نعلم أن بشرى صاحب «أجمل التاريخ غداً» هي للتاريخ وليست لنا...

على كل، يا رفاقنا في اليأس. اذا كنتم مثلنا من جماعة الراحتين (راحة اليأس وراحة الموت)، ألم تكونوا تتوقعون، والدولة على هذا المستوى من الهلهلة، والمجتمع على هذا المستوى من الهلهلة، أن نقف مكتوفي الأيدي بين براثن ذلك الحيوان الخرافي الذي كما لو أنه خرج للتو من احدى الميتولوجيات القديمة؟

ونحن داخل التراجيديا الكبرى، وربما الكوميديا الكبرى، لأننا لم نعد نفرّق بين أنين الضحايا وضجيج السراي، يلقون في وجهنا باقتراح المؤتمر التأسيسي، كما لو أن هذه الطبقة البائسة قادرة على انتاج الجمهورية الثالثة. نسأل من هو ديغول اللبناني بالسيرة الفذة الذي يستطيع أن يقول للشيء كن فيكون؟

للعلم فقط، الجنرال قام بانقلاب فلسفي في بنية السلطة، بعدما وصلت الجمهورية الرابعة الى الاهتراء الكامل، وهذه هي حالنا اليوم. أندريه مالرو رفيقه، وفيلسوف «الوضع الانساني»، قال «لو دخلتم الى رأس الجنرال لوجدتم فرنسا، فرنسا فقط، هناك، وهي تعيد تشكيل فرنسا».

تابعتم ما يحدث عندنا. أليس الحوار بين الجدران التي تطبق علينا والجدران الأخرى التي تطبق علينا؟ اذاً، لا تقفلوا الجمهورية من أجل الكورونا، اقفلوها من أجلنا، وسـلّموا مفاتيحها الى الـشيطان. ماذا يمكن أن يفعلوا غير ذلك...؟