كان كريستيان آرمبروستر، مؤسس شركة الاستثمارات "بلو فاميلي أوفيس"في لندن، التي تقدِّم خدماتها للعملاء الأثرياء، قد جرَّب حظه مع العملات المشفَّرة منذ بضعة أعوام. ويرى آرمبروستر الذي عمل سابقاً في الخدمات المصرفية الاستثمارية، الذي حققت عائلته ثرواتٍ جمة في مجالي المعادن والتصنيع، أنَّ العملات المشفَّرة قد حازت على مكانة ضمن محافظ الاستثمار المتنوعة. ومع ارتفاع قيمة عملة "بتكوين" منذ أن بلغت أدنى مستوياتها خلال 12 شهراً في مارس، قرر كريستيان أن يزيد من استثماراته في هذا المجال، ويتطلع إلى تحقيق مكاسب كبيرة.

ويقول آرمبروستر الذي يدير حوالى 670 مليون دولار لصالح شركته، بما في ذلك ثرواته الشخصية: "نبحث الآن عن فرص للتداول في مجال شيِّقٍ جداً".

وكثيرون يوافقونه الرأي. فقد غرَّد مؤخراً الملياردير المكسيكي المنخرط في المجال الإعلامي، ريكاردو ساليناس بلييجو أنَّه استثمر 10% من أصوله السائلة في عملة "بتكوين". وقد أيَّد كل من عمالقة "وول ستريت"، ستانلي دراكنميلر، وبول تودور جونز، وبيل ميلر، شراء هذه العملة أيضاً. وبعدما أطلَّ مدير الأموال ذو النفوذ الكبير، ريك ريدر، على قناة "سي إن بي سي" في نوفمبر الفائت، وقال إنَّ عملة "بتكوين" "هنا لتبقى"، شاهد أكثر من 874 ألف شخص مقطع الفيديو على "تويتر"، مما حصد له إقبالاً أكبر بكثير من إطلالاته التي تناول فيها جائحة (كوفيد-19)، والسياسات النقدية.

وعلَّق لاري فينك، الرئيس التنفيذي للشركة العملاقة في مجال إدارة الأصول "بلاك روك إنك"، ومدير ريك ريدر، خلال لقاء افتراضي في 1 ديسمبر قائلاً: "ذلك دلالة على أنَّ عملة "بيتكوين" استحوذت على اهتمام ومخيلة الكثيرين"، مضيفاً: "لكنَّها ما تزال غير خاضعة للاختبار الكافي، ولا تزال سوقاً صغيرة نسبياً بالمقارنة مع سائر الأسواق".

فرصة ثانية

وفي آخر مرة قفزت فيها قيمة "بتكوين" عام 2017، بقي مستثمرون أثرياء كثر مترددين. وقورن هذا المال المصطنع بما عُرف بـ "جنون التوليب" (tulip mania) خلال العصر الذهبي الهولندي. كما أنَّ استخداماته في تبييض الأموال في عالم الجرائم الإلكترونية أبعَدَ مستثمرين كثر ممن ينخرطون عادة في المجالات المالية السائدة. فسمَّى وارن بافت عملة "بتكوين" بـ "السراب"، في حين وصفها جيمي ديمون بالـ "احتيال" (مع أنَّه عاد، وأعرب عن ندمه على هذه الملاحظة).

ومنذ ذلك الحين، لم تثبت "بتكوين" أنَّها ستصبح شكلاً من أشكال المال المقبول حول العالم فعلياً. ويعدُّ مستثمرون أثرياء كثر أمثال آرمبروستر أنَّ بدائل مثل "إيثريوم" (Ethereum) قد تُثبت في نهاية المطاف عن قيمة أعلى. كما أنَّه يتمُّ تداول العملات المشفَّرة في سوق غير شفافة، تدفعها مضاربات واسعة، وتقنيات غامضة عوضاً عن أسس يسهل الاطلاع عليها، وتدفع الأسهم أو السندات أو السلع.

ولكن، على الرغم من ذلك، فإنَّ المستثمرين الأثرياء يمنحون "بتكوين" فرصةً ثانية جدية، في حين تكسب قبول جهات عالية النفوذ، مثل شركتي "باي بال" القابضة، و"فيزا" اللتين أصبحتا تتيحان لأصحاب الحسابات فيها استخدام العملات المشفرة. ويعدُّ ميلر من بين المستثمرين التقليديين الذين لاحظوا أنَّ استقرار عملة "بتكوين"، وتقنية "بلوك تشين" التي تقف خلفها، التي قد مضى عليها 12 عاماً حتى الآن، عاملَان يعزِّزان الثقة في قدرة العملة على البقاء.

تعزيز المصداقية

ومن ثم نرى المصارف المركزية والحكومات التي تسعى إلى إغراق اقتصاداتها بالنقد، وخفض معدلات فائدتها إلى ما يقارب الصفر قد تصديا لجائحة فيروس كورونا. ولعل هذه الموجة الهائلة من سبل التيسير الكمي، والحوافز المالية التي يبدو أنَّها ستستمر في العام القادم، تساهم أيضاً في تعزيز مصداقية العملات المشفرة باعتبارها فئة بديلة من الأصول.

ويقول كيفن موركو، مؤسس "كوين مترو" ورئيسها التنفيذي، وهي منصة لتبادل العملات المشفَّرة في إستونيا، إنَّه "عادةً في أوقات الأزمات، يهرع الناس باتجاه النقد، ولكن، مَن كان في كامل قواه العقلية سيسعى إلى بناء ثروات من النقد في الوقت الذي تعمل فيه أكبر الاقتصادات على خفض قيمة عملاتها؟". ويضيف: "يمكن القول إنَّ جائحة (كوفيد-19)، والانتخابات الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبالأحرى كل ما جرى في عام 2020، قد شكَّلت عوامل غيَّرت الطريقة التي يرى فيها كثيرون منخرطون في سبل التداول التقليدية قيمة الأصول الرقمية".

لا نعرف كم سيبقى الأمر على هذا المنوال، لكنَّ المحللين في "جي بي مورغان تشايس إند كو" يقولون، إنَّ المستثمرين دأبوا في الآونة الأخيرة على سحب النقود من صناديق استثمار الذهب، في الوقت الذي تستقطب فيه "بتكوين" مزيداً من المؤسسات.

ومن هذا المنطلق، شهد صندوق إدارة الأصول الرقمية "بتكوين تراست"، تدفقات داخلة ناهزت ملياري دولار منذ شهر أكتوبر مقارنةً بـ 7 مليار دولار من التدفقات الخارجة من صناديق الاستثمار المتداولة والمدعومة بالذهب، وذلك بحسب تقرير "جي بي مورغان". وتشير حسابات المحلِّلين إلى أنَّ عملة "بتكوين" لا تشكِّل سوى 0.18% من أصول مكتب استثمارات العائلة الواحدة، مقارنةً بنسبة 3.3% التي تستحوذ عليها صناديق استثمار الذهب المتداولة. وأما انتقال التركيز من الذهب إلى العملات المشفَّرة فسيُترجَم في انتقال ملايين الدولارات من النقد.

وفي هذا السياق، كتب فريق المحللين الذي يقوده نيكولاوس بانيجيرتزوجلو: "ها قد بدأ اعتماد المؤسسات المستثمرة لعملة "بتكوين" للتو".

سهولة حفظ الأموال

وتقول تانيا موديك التي تقطن في تاهو بنيفادا، وهي إحدى المستثمرين الأثرياء، إنَّها تشتري عملة "بتكوين" منذ أعوام، وذلك بسبب كونِّها "طريقة سهلة لحفظ قيمة أموالها" بدون الجلبة والتكاليف التي ينطوي عليها التعامل بالذهب الفعلي، وحفظه في مكان آمن. ومع ذلك، تضيف موديك، أنَّّه لا يجب الاستهانة بالعوامل النفسية والثقافية التي تدفع بالأثرياء إلى تقبُّل العملات المشفَّرة أكثر فأكثر.

فهناك أولاً ما يُعرف بالخوف من تفويت الفرص، أو "FOMO" الذي يكثر في أوساط الأثرياء الذين تُعاشرهم، ناهيك عن أنَّ الفئات الشابة تستخدم العملات المشفَّرة عبر تطبيق "روبن هود" وغيره من تطبيقات التداول. كما أنَّ التداول بعملة "بتكوين" عبر "إي تورو" (eToro)، وهي منصة شائع استخدامها من قبل المستثمرين الهواة في أوروبا وآسيا، قد قارب الوصول إلى الذروة التي كان قد حققها في أواخر 2017 بحسب الشركة.

أضِف إلى ذلك أنَّ عدد النساء اللواتي ينخرطن في تداول عملة "بتكوين" عبر الموقع تضاعف مقارنةً بما كان عليه في آخر صعود شهدته العملة.

وتقول موديك، وهي العضو المنتدب لإدارة شركة "ويسترن إنفستمنتس كابيتال"، وهو مكتب إدارة استثمارات عائلة واحدة: "إنَّ المستثمرين الكبار يستثمرون أموالهم في عملة "بتكوين" خوفاً من أن يُلَقَّبوا بالبدائيين الذين فوَّتوا فرصة التداول بالعملات المشفَّرة. ودعونا لا ننسى أنَّ لديهم كلهم أبناءً وأحفاداً من جيل الألفية يؤيدون ذلك، ويحمِّسونهم".