مدعومة من الثنائي ــ الشيعي لتأمـين لقاء عون ــ الحريري وغربلة أسماء مُسودّة التشكيلة

يُعوّل الكثيرون على أي مسعى أو مبادرة تهدف الى تحريك الجمود الحكومي في ظلّ الخلافات السياسية والشخصيّة القائمة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري والتي تُعيق ولادة الحكومة. على أن يتضمّن هذا المسعى جمع الرجلين في لقاء مصارحة ومكاشفة والخوض في تفاصيل مسودة التشكيلة الحكومية الأخيرة التي قدّمها الحريري للرئيس عون في 23 كانون الأول المنصرم، وتضمّنت أسماء 18 وزيراً، توصّلاً الى التوافق على تأليف الحكومة في أسرع وقت ممكن وتصبّ في مصلحة لبنان. وجاءت مبادرة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب الثلاثاء في اتجاه السياسيين المعنيين لتصبّ ضمن هذا الإطار كون مبادرته مدعومة سياسياً من الثنائي الشيعي.

فبعد أن أعلن الرئيس نبيه برّي منذ نحو شهر أنّ «الطريق الى تشكيل الحكومة الجديدة مسدود بالكامل»، وكان يأمل آنذاك في أن يتمكّن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تقديم المساعدة في زيارته للبنان التي كان يُفترض أن يقوم بها عشية عيد الميلاد، ثمّ جرى تأجيلها بعد إصابته بوباء «كورونا»، بقي طريق التأليف غير سالك، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، في انتظار المتغيّرات الإقليمية والدولية. غير أنّ مسودة التشكيلة التي قدّمها الحريري للرئيس عون في بعبدا والتي كان له ملاحظات فوريّة عليها فُسّرت على أنّها رفضٌ لها وقد قابلها بطرح مُغاير، قد فتحت «باباً» في إطار الجمود الحكومي الذي ساد منذ تكليف الحريري بالتأليف وعقد 14 اجتماعاً بينه وبين عون.

ومن هذا الباب بدأ الرئيس دياب مبادرته من خلال الزيارات التي قام بها على القادة المسؤولين بهدف التقريب في وجهات النظر بين عون والحريري، على ما أوضحت المصادر، لا سيما بعد أن جرى تجميد المبادرة الفرنسية وتأجيل زيارة ماكرون للبنان. فكلّ المساعي لتحريك تأليف الحكومة حتى الآن لم تصل الى خاتمة سعيدة، لا سيما اقتراح الكاردينال الماروني البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عقد لقاء مصالحة شخصيّة بين الرجلين تُعيد الثقة بينهما، وطلب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله من الجميع القيام بمساعٍ توصل الى ولادة الحكومة الجديدة.

وأكّدت المصادر أنّ المسودة الحكومية التي قدّمها الحريري للرئيس عون يبدو أنّها تتضمّن بعض الشوائب، رغم قول الحريري بأنّه يجدها مثالية ولن يكون له أي بديل عنها لأنّها تلبّي طموحاته في حكومة إنقاذية يمكنها العمل على تحقيق الإصلاحات المطلوبة. فالراعي طالب الرجلين المباشرة بغربلة الأسماء المطروحة واستكشاف أسماء جديدة، الأمر الذي يؤكّد أنّ مسودة التشكيلة ليست على المستوى المطلوب من ناحية الأشخاص الإختصاصيين، ويلتقي الرئيس دياب والثنائي ـ الشيعي ضمناً مع الراعي حول هذا الأمر، أي على ضرورة البدء بمناقشة الأسماء المطروحة واستبدال تلك التي لا تتمتّع بالمواصفات المناسبة، والخوض في مسألة عدد الوزراء أيضاً والحقائب المسندة الى كلّ منهم. فما هو الإختصاص الواحد الذي يمنح وزيراً حقيبتي الزراعة والشؤون الإجتماعية، على سبيل المثال لا الحصر؟

وإذ تمنّى الراعي في عظة يوم الأحد الفائت على عون أخذ المبادرة بدعوة الرئيس المكلّف الى عقد هذا اللقاء، فإنّ دياب يسعى من خلال لقاءاته مع المسؤولين الى اقتراح لقاء الرجلين في أسرع وقت ممكن. علماً بأنّ مبادرة دياب يؤيّدها برّي، كما حزب الله لا سيما وأنّ السيّد نصرالله قد تحدّث في خطابه الأخير عن أنّه المطلوب اليوم من الجميع أن يبذل المساعي بهدف تحريك الملف الحكومي والوصول الى تأليف الحكومة المنتظرة. ويُحكى عن مساعٍ يقوم بها الحزب بعيداً عن الأضواء، وقد تتظهّر للعلن في حال أخفقت مبادرة دياب أو تحرّكات مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم لتأمين اللقاء بين عون والحريري.

وبرأي المصادر نفسها، إنّ الأولوية هي لتشكيل حكومة إنقاذية فعلية بكلّ ما للكلمة من معنى، من دون تحديد عمرها بستة أشهر أو أكثر، سيما وأنّ مسألة الإنقاذ لا يُمكن أن تنتهي في غضون أشهر قليلة. كما أنّ الجميع يُصرّ على بقاء الحريري على رأس هذه الحكومة، ولا سيما الثنائي الشيعي الحريص على العلاقة السنيّة ـ الشيعية ولا يريدها أن تتزعزع أو تتحوّل الى فتنة بين الطائفتين. ولهذا، فالمخرج اليوم هو لتخطّي النقاط الخلافية والتوصّل الى التقريب في وجهات النظر لتشكيل الحكومة التي عليها القيام بعد ذلك بحلّ المسائل الخلافية مثل تعديل النظام، وإجراء الإنتخابات النيابية المبكرة، والقيام بالمطالب الإصلاحية لتلقّي المساعدات الدولية وإعادة إعمار مرفأ بيروت وما الى ذلك.

وعن ربط عرقلة التأليف بانتظار المتغيّرات الخارجية لا سيما دخول الرئيس المنتخب جو بايدن الى البيت الأبيض اليوم الأربعاء، رأت المصادر، بأنّه إذا كان هناك من يعتقد بأنّ بايدن سيضع كلّ مشاكل الولايات المتحدة جانباً فور تسلّمه مقاليد السلطة فيها ويبدأ بالملف اللبناني وينصبّ على التشكيلة الحكومية فهو واهِم ومخطىء. فمسألة التأليف اليوم هي محض داخلية، وإن كان الخارج يلعب فيها دوراً ما يُمكن أن يندرج، على سبيل المثال، في مسألة العقوبات الإقتصادية التي فرضتها واشنطن على شخصيات لبنانية.

وذكرت المصادر، بأنّه من المهم جدّاً معرفة أنّ بايدن، وإن كان يؤمل من وجوده على رأس الإدارة الأميركية حصول الإسترخاء في منطقة الشرق الأوسط من خلال علاقة أفضل مع إيران ممّا كانت عليه في ظلّ عهد دونالد ترامب، إلاّ أنّه مثل سلفه فيما يتعلّق بوضع مصلحة إسرائيل، حليفة أميركا الأبدية، فوق كلّ اعتبار في المنطقة. فهذا هو همّ أميركا الأول في المنطقة، ومن بعد مصلحتها هذه الطوفان، لهذا فليس على لبنان أن يأمل كثيراً من انعكاس سياسة بايدن إيجاباً عليه.