تتجه الأنظار في الداخل الى من يُعيد تحريك مسار تأليف الحكومة وفق معطيات جديدة، ويجري التركيز على ما قد يقوم به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في هذا السياق قريباً. ولم يظهر حتى الآن إذا كان سيعود شخصياً الى لبنان بعد تأجيل الزيارة الثالثة له التي كان يُفترض أن يقوم بها عشية الميلاد وقد تمّ إرجاؤها من ضمن جميع رحلاته الخارجية بسبب إصابته بوباء «كورونا».

فالمبادرة الفرنسية التي يجد الكثيرون أنّها سقطت، بالإمكان إعادة إحيائها، على ما تقول مصادر سياسية مطّلعة، أو على الأقلّ تنفيذ روحيتها للإنطلاق نحو تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن. وتجد بأنّ الحلّ إذا جاء من الرئيس ماكرون هذه المرّة، قد يحمل مرونة أكثر تتمثّل في أحد السيناريوين:

1ـ التحدّث مع جميع الأطراف في الداخل للتقريب في وجهات النظر بين فريقي رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف سعد الحريري لتشكيل حكومة إختصاصيين من قبل الحريري كون اعتذاره غير وارد حالياً، بعد أن أعطي فرصة أخرى من قبل الكتل النيابية، واعتبار بعض دول الخارج الداعمة له أنّه الأفضل في المرحلة الراهنة لرئاسة الحكومة الإنقاذية. ويُفترض بهذه الحكومة التي قد تضمّ 24 وزيراً صياغة بيانها الوزاري القائم على معالجة الأزمات الحالية وتطبيق الإصلاحات المطلوبة للحصول على دعم المجتمع الدولي.

وقد يكون الحلّ الآخر في السيناريو الأول نفسه، التخلّي عن فكرة تشكيل حكومة محض إختصاصية ما يفرض على الحريري القبول بالعودة الى اقتراح تشكيل حكومة تكنوقراط من 5 أو 6 وزراء من الأحزاب السياسية على أن يكونوا وزراء دولة، الى جانب 15 وزيراً أو أكثر من الإختصاصيين الكفوئين الذين يستطيعون القيام بمهمّة الإنقاذ واستعادة الثقة الخارجية بلبنان. وانطلاقاً من هذا الأمر، يتمّ التوافق على اختيار خيرة الشخصيات الحزبية لتمثيل أحزابها في الحكومة، وعلى وضع لائحة أسماء لإختصاصيين من جميع الطوائف تجري غربلتها من قبل عون والحريري.

2ـ وفي حال عدم القدرة على تنفيذ السيناريو الأول، فيجري الطلب من الحريري الإعتذار عن التأليف حالياً لصالح تشكيل «حكومة مهمّة» من الإختصاصيين الصرف، من رئيسها الى وزرائها، تدوم لمدّة 6 أشهر وتقوم بتطبيق خارطة طريق محدّدة تُنقذ لبنان من أزماته المتفاقمة والتي قد تؤدّي به الى الإنهيار الكامل في حال لم يتمّ وضع حدّ لها. ويعني ذلك العودة الى تسمية شخصية مثل السفير مصطفى أديب، على أن تتمّ تسهيل مهمته وليس عرقلتها. علماً أنّ الحريري لن يقبل بمثل هذا السيناريو كونه هو ممثل الطائفة السنيّة. على أن يكون الحريري رئيس الحكومة التالية، كشرط رئيسي لولادتها، وتستمرّ حتى موعد كلّ من استحقاقي الإنتخابات النيابية المقبلة والإستحقاق الرئاسي في العام المقبل.

ومن أجل تحقيق أحد هذين الإقتراحين، تضيف المصادر، فمن المرجّح إعادة إحياء التسوية الرئاسية التي أوصلت العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، والحريري الى رئاسة الحكومة. وهذا الأمر يتطلّب الحديث مع جميع الأطراف بمن فيهم رئيس «تكتّل لبنان القوي» النائب جبران باسيل. فلا يُمكن بأي شكل من الأشكال تشكيل حكومة برئاسة أو بدون رئاسة الحريري من دون توافق الأطراف فيما بينها كونه سيُساهم كذلك في اختيار رئيسها وانتقاء الوزراء السنّة فيها من الإختصاصيين. كذلك فإنّه لا يُمكن للحريري الذي كان أحد عناصر التسوية الرئاسية أن يُغادرها في منتصف الطريق، على ما ترى المصادر، بل عليه السعي لاستكمالها حتى نهاية العهد.

فالبلد وصل الى حائط مسدود، تؤكد المصادر، والشعب اللبناني يدفع الثمن على صعيد الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية، وحالة الطوارىء التي وصلت اليها البلاد تتطلّب التوافق بين الجميع. فالرئيس المكلّف عليه التشاور مع رئيس الجمهورية على كلّ الأسماء، على ما شدّدت، وليس فقط على أسماء الوزراء المسيحيين. فالدستور أعطى رئيس الجمهورية صلاحية قبول أو رفض التوقيع على إسم اي وزير الى أي طائفة انتمى، كونه رئيس البلاد وليس المتحدّث باسم الطائفة المسيحية فقط. وكذلك فإنّ الحريري سيكون رئيس حكومة كلّ لبنان وليس رئيس حكومة طائفته دون سواها.

وأكّدت المصادر بأنّه سيكون للثنائي الشيعي الذي دعم الحريري في مسألة إعادة التكليف لتشكيل الحكومة دوراً في التقريب في وجهات النظر بين جميع الأطراف، والدخول مجدّداً في أجواء التسوية لتسريع التأليف وتطبيق مندرجات المبادرة الفرنسية. فلا يجوز الإستمرار من دون التوافق، بل لا بدّ من حصوله ليتمكّن المسؤولون بعد ذلك من التوافق على دفتر شروط يتضمّن ما تنصّ عليه المبادرة الفرنسية وما تريده الأحزاب الكبرى، فضلاً عن الأحزاب كافة كونها ستُعطي أو لا تُعطي الثقة للحكومة في مجلس النوّاب.