بالإضافة إلى العاملين الاجتماعي والداخلي السياسي، ليس من المستبعد أن تكون عوامل خارجية وراء تحريك الوضع في طرابلس بفعل خضوع لبنان لتغيير المعادلات الإقليمية القادمة، ولأنه بالرغم من التجاذب الداخلي، توجد في خلفية المشهد رغبة أطراف اقليمية في الإمساك بالورقة اللبنانية كي يكون محل مساومة أو جائزة ترضية كما كان يحصل في مرحلة الوجود السوري في لبنان، وكأن البعض يريد التهويل بمنطقة خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية (كما حصل في نهر البارد من قبل) وتكرار التجربة من بوابة هز الاستقرار عبر ساحة طرابلس ومختبرها.

وتعتبر أوساط سياسية ان ما حصل من تبسيط لما ظهر لم يحجب وجود قنابل واسلحة تم استعمالها في مواجهات واحتجاجات بدأت رفضاً للإغلاق الكامل بسبب جائحة كورونا، وعدم وجود بديل معيشي ومساعدات لسكان هذه المنطقة الأكثر فقراً في البلاد. لكن تحول الثورة الاجتماعية إلى أعمال تخريب وحرق واستباحة لأمن المدينة وأملاكها، طرح تساؤلات عن أسباب التصعيد والثغر في تنسيق القوى الأمنية ومحاولة توظيف غضب وسخط الناس في تصفية الحسابات بين أطراف أهل السياسة، من دون إهمال العاملين الخارجي والمتطرف في هذه المدينة.

وبالرغم من كونها أكبر مدينة لبنانية ذات أغلبية مسلمة سنية تجمع بين الإيمان والحداثة من خلال تنوعها الديني والثقافي ومينائها الشهير، لكن لولا دورها في نشوء لبنان الكبير، لم تكن المغامرة اللبنانية ممكنة منذ مئة عام، وبدل مكافأتها على عمق انتمائها اللبناني واستمرار بعدها القومي، تمت معاملتها بإجحاف طوال عشرات السنوات بالرغم من وجود زعامات سياسية تولت رئاسة الحكومة أكثر من مرة مع بحبوحة مالية كبيرة من داخل المدينة بقيت مشاريعها لتطوير الميناء ومعرضها التجاري الكبير وإعادة تشغيل مصفاة نفطها مكان مساومات وتسويف طوال عشرات السنوات، وتلمح هذه الاوساط الى مسؤولية محلية عن الفقر المدقع الذي أصاب معظم سكانها وصولا الى حد «التقاتل» على رغيف الخبز، وهذا ما يعلمه معظم الذين تربعوا على كراسي المسؤولية لكنهم لم يلتفتوا الى أهلهم والمقترعين لهم على الاطلاق.

وطرابلس التي كانت أكثر من عانى خلال عدة فترات من الحروب اللبنانية إبان الوجود العسكري السوري وبعده، بحيث أصبحت تشكل المؤشر أو المختبر لتفاقم أزمة ثلاثية الأبعاد صحية واجتماعية وسياسية، فإن أحداثها تدلل قبل كل شيء على صورة البلاد في هذه المرحلة وما تنطوي عليه من مخاطر الفوضى والانهيار وتفكك القوى الضامنة مع البدء بالمطالبة بالأمن الذاتي في ظل بلد محاصر وفراغ حكومي وبؤس اجتماعي، ودوام انتظار سراب التسويات الخارجية بعد تمركز إدارة بايدن.

وتعطي هذه الاوساط صورة المشهد الحقيقي الذي أوصل العاصمة الثانية للبنان الى هذه الوضعية إن كان من خلال التراكمات والحروب التي حصلت على أرضها، كي تستفيد اطراف سياسية من داخل المدينة وخارجها بأجندات سياسية تم فيها دفع مئات آلاف الدولارات على عملية شراء الاسلحة بديلا عن إنشاء مصنع من هنا أو شركة من هناك تؤمن فرص عمل للفقراء منها، وهذه الامور تكررت في حرب جبل محسن - التبانة لتبقى طرابلس وجوارها تحت الضغط وخاصة عبر التسلل الإرهابي المبرمج في العام 2007 إلى مخيم نهر البارد تحت لافتة فتح الإسلام الذي انهزم بفضل الجيش اللبناني وتضامن أهل الشمال معه.

وتختم هذه الاوساط بالقول: مما لا شك فيه أن غياب مرجعية سياسية ممثلة للمدينة يجعلها أكثر انكشافا في اللعبة السياسية الداخلية وعرضة للاختراق والاستخدام، وإذا كانت كل المنظومة الحاكمة المنتهية الصلاحية تتحمل المسؤولية في وصول البلاد إلى الوضع الحالي وانفجار أوضاع طرابلس، لكن الانسداد الموجود على في السلطة التنفيذية لجهة عدم تشكيل حكومة جديدة، يؤشر على مسؤوليات متصلة بالإصرار على المحاصصة رغم بدء سقوط الهيكل على رؤوس الجميع وهذا يعني كله أن طرابلس وفق الواقع القائم ستبقى صندوق بريد وستشهد المزيد من الحوادث المماثلة إن لم يكن أوسع وأكبر.