هل أدرك طرفا الصراع ما بين، وما وراء، كلمات الرئيس نبيه بري؟ الانذار الأخير بالانقلاب على الاثنين اذا ما بقيا هكذا يتراشقان بالمواقف السريالية التي لا معنى لها ولا مفعول لها. لكأننا أمام أقصى درجات النرجسية السياسية. عالم السياسة الفرنسي موريس دوفرجيه وصف الحالة «كمن يرقص التانغو مع ظله!»

الصراع السيزيفي. اللذان كل واحد منهما يعتبر أنه الأقوى في الطائفة بات، أكثر فأكثر، الأضعف في لبنان. الاثنان لا يستهلكان الوقت الثمين، أو ما تبقى من الوقت، فحسب. كل يستهلك رصيده. في آخر المطاف، البقاء لله. لا أحد يمكنه المكوث الى الأبد في القصر، ولا أحد يمكنه المكوث الى يوم القيامة في السراي. الجمهورية على قرن ثور...

لماذا انتظر «الاستاذ» كل ذلك الوقت لكي يلقي بالقفاز (وبالحل أيضاً)؟ هذه المرة شكل آخر للعصا السحرية (وفهمكم كفاية). المطرقة الأميركية لم تعد فوق الرؤوس ولا تكشيرة ديفيد شينكر. سيناريو «صفقة القرن»، بتداعياته الدراماتــيكية ليس فقط على الصيغة اللبنانية وانما على الوجود اللبناني، توقف عند الحلقة الأخيرة...

قيل لنا ان الرئيس بري عاش، في الأشهر الأخيرة، ذروة القلق حول ما ينتظر لبنان. الى أن مات الشيطان، وتم اخراجه جثة من البيت الأبيض.

كان يفترض، من اللحظة التي أدى فيها جو بايدن القسم في تلة الكابيتول، أن يتعالى الدخان الأبيض من القصر والسراي، قبل أن يتبين أن الطرفين كانا بعيدين جداً عن «الهموم الكبرى» لينشغلا في «الهموم الصغرى»، في حين أن لبنان، كما المصاب بأعلى درجات الكورونا، بحاجة الى النزر اليسير من الهواء كي لا يلفظ أنفاسه الأخيرة.

اذاً، انذار من عين التينة الى من يعنيهم الأمر (بالأحرى الى من يعنيهما الأمر). البلاد، واقعاً، في حال تعليق العمل بالدستور. أمام «الاستاذ» و«السيد» خيارات أخرى لكي تصدر مراسيم تشكيل الحكومة في الحال ما دام لبنان أمام اختبار البقاء أو اللابقاء. الحكماء على كل الجبهات يؤيدون أي خطوة للخروج من الحلقة المفرغة، وقد تحولت الى الحلقة الجهنمية!

كم بقي من الوقت على ولاية رئيس الجمهورية؟ يفترض توظيف كل ساعة، كل ثانية، الآن، لانقاذ ما يمكن انقاذه لا لانقاذ من يمكن أن يكون الخليفة في القصر.

كم هو رصيد رئيس الحكومة المكلف، الرصيد الذي يتآكل بايقاع درامي اذا كان له أن يطّلع على تقرير احصائي، وضعته جهة متخصصة، وكانت شديدة القرب من الرئيس رفيق الحريري؟

التقرير يقول اذا وصل بهاء الحريري الى السراي فان أكثر من 80 % من قاعدة تيار المستقبل ستلتحق به.

الجهة اياها ترى أن «الشيخ بهاء»، البراغماتي جداً في أدائه كرجل أعمال، بات جاهزاً، في ضوء التبدل الذي حدث في البيت الأبيض، لكي يتحول، في لحظة ما، الى براغماتي جداً في عالم السياسة.

هذا مع اعتبار أن «الشيخ سعد» حين أشار الملك عبدالله بن عبد العزيز اليه باصبعه، وقال «هذا هو...»، لم يكن يلمّ بالحد الأدنى من اللعبة الساسية، ولم يكن هاوياً لا لقراءة الصحف، ولا حتى لقراءة كتاب كليلة ودمنة، فضلاً عن عدم شغفه بنشرات الأخبار. هوايته كانت الطبخ لأصدقائه. من شيخ المحشي الى بابا غنوج...

كثيراً تراجع منسوب القلق لدى رئيس المجلس النيابي. لا بد أنه واثق من أن وجود جو بايدن في البيت الابيض، بشخصيته البعيدة عن قرع الطبول، يمكن أن يؤدي الى احداث تغييرات مدوية في المعادلات، كما في العلاقات، الشرق أوسطية، ناهيك عن أن فريق عمله لا يتصف بالشراسة ولا بالتهديد بقطع الرؤوس.

التغييرات المرتقبة يرجح أن تؤدي الى الحد من التوترات التي تسود الساحة اللبنانية. من هنا كانت ضررة «الامساك باللحظة» لا البقاء في دوامة الرهانات الخاطئة والخطيرة، حتى أن جيفري فيلتمان تغير. قال لبنان «بعيد عن أن ينتهي...».

لكن الرجال (الساسة) ينتهون. الحل وزراء ليسوا معكم وليسوا ضدكم. جرس الانذار ما زال يدق!!