مار مارون قداسة الهوية

ماذا أبقى لنا التاريخ من مار مارون المحتفل بذكراه، بعد يومين ؟ ستة عشر قرنا وبضع من سنين تفصلنا عن زمن الراهب الامين لعقيدته ولسورياه (من سوريا الطبيعية).

ستة عشر قرنا اندثرت، خلالها، هويات وانطوت أعلام وبرزت هويات جديدة. ستة عشر قرنا كانت كفيلة، بفعل تراكم الويلات، والتعرض لشتى هجمات الثقافات التجهيلية، أن تقضي على مدرسة مارون، لولا انه أصالة سورية تعصى، بجذورها الضاربة عميقا في التاريخ، على محن الزمن، وكانه عناها المسيح يوم قال : أبواب الجحيم لا تقوى عليها.

ستة عشر قرنا بادت، خلالها جماعات، وتراجعت حضارات، وتحضرت بواد (هل فعلا تحضرت ؟) ستة عشر قرنا والراهب السوري الذي ابعد لفترات عن مضاربه، في جبل نابو مدعو للعودة الى هناك، لمقاومة ظلم بيزنطيين جدد، اسموهم، في ايامنا، «نصرة» الشر ودواعش الظلام. ومدعو الى ان يدعو المنتسين، في الطقوس، اليه، من الذين غيروا وبدلوا نصوص الصلوات، التي كانت تشير الى هويته، يدعوهم الى ان يعيدوا اليه، في ذكرى عيده، نص الصلاة، التي ظلوا يرفعونها، حتى منتصف القرن الماضي. ففيها اشارة الى جهاده الانقاذي من الطغيان البيزنطي، وفيها غير اشارة الى تصديه للبدع وللاضاليل.

وفي كتاب بالحرف الكرشوني، مطبوع في دير قزحيا سنة 1896، كانت «لازمة» صلاة عيد مار مارون بالنص الآتي : لك شرف مفرد كبدر الضيا. لك اسم يزهو كالثريا. لك اسم بالشرق مسميا مار مارون يا فخر سوريا الطبيعية.

ولئن علا هوية القديس بعض الغبار من عواصف التاريخ، ومن مسؤولين تنكروا لهوية ذاتهم، نكاية، او غضبا او هربا من جهالات محيطهم، الا انه يبقى لنا في التاريخ غير ضوء يقطع الشك باليقين، في استجلاء حقيقة غائمة.

وكما تختصر بطاقة الهوية الفردية بكلمات معدودات، أختصر، مستعيراً من الاب بطرس ضو ضوءاً، طالعاً من كتابه : تاريخ الموارنة، الجزء الاول ط 1970، من الصفحة 323، ضوءا على : «منذ اهتداء الشعب السوري في الارياف، بين اواخر القرن الرابع ومطلع الخامس، الى المسيحية، جرى هذا الاهتداء، بصورة رئيسية، على يد مار مارون وتلاميذه. ومذ ذاك، تحول مجرى الامور من الاتجاه البيزنطي أي الاتجاه السوري الآرامي الوطني، أضف الى ذلك الحماسة التي دبت في الصدور، من جراء ان المسيح سوري من فلسطين».

أو يشك، من بعد، المدققون بالثبوتيات على حواجز التاريخ ومفارقه في هوية مارون السوري الاصيل، الذي طالما توجه اليه الموارنة، من قبل، مصلين، مرددين : «مار مارون يا فخر سوريا .. الطبيعية».