مرة أخرى... ليس دفاعاً عن حزب الله بل دفاعاً عن لبنان !

انطلاقاً من الحديث عن أزمة الشيعة مع أنفسهم، ومع الآخرين، وحيث فائض القوة يظهر، على نحو منهجي، وكأنه فائض الفوضى.

البقاع مثالاً. اي سمعة للشيعة هناك؟ هؤلاء الذين خرجوا، كما الشيعة في المناطق الأخرى، من الركام الذي رزحوا تحته لقرون، وقد طفوا على السطح، بكل ديناميات الانفتاح، والتفاعل، فضلاً عن تقديس التعددية (والتنوع) في لبنان، ليكون الشيعي فاعلاً في الحزب الشيوعي، وفي الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحتى في حزب النجادة، وصولاً الى حزب الوطنيين الأحرار.

هكذا المظهر الشائع عن الشيعة في البقاع. الكلاشينكوف الذي جعل حتى الصعاليك قبضايات المدن والقرى، القتلة (لبعضهم البعض أو للاخرين)، قطاع الطرق، حرامية السيارات. المهنة العابرة للطوائف، كما للطوائف، وان كان الذي يبدو غالباً أن الدماغ شيعي، واليد شيعية، والمستودع شيعي.

انهم القلة المجهرية داخل الطائفة. ولكن في مجتمعنا (أو مجتمعاتنا)، وحيث تنتفي المسافة بين آخر صيحات فيرساتشي وآخر صيحات البداوة، نحترف التعميم مثلما نحترف التعمية...

هذا يحدث في ظل تسونامي ديني (أو مذهبي) في حضرة الآلاف من رجال الدين الذين قضيتهم أن يشتموا، على المنابر، أميركا واسرائيل، دون أن يلتفتوا، فعلاً لا قولاً، الى المشكلات السوسيولوجية، وحتى البنيوية، التي تهز المسار التاريخي للمجتمع الشيعي.

انها الطائفة، الثائرة عبر الأزمنة، والتي أنتجت المقاومة، وقد قهرت القوة التي لا تقهر، وأرست معادلة توازن الرعب مع من يمتلكون، بالاضافة الى الترسانة التوراتية، الترسانة النووية التي يمكن أن تجعل من الشرق الأوسط، وفي غضون دقائق، الأرض اليباب.

هكذا طرحت نفسها. طائفة لكل لبنان. مقاومة لكل لبنان. ويفترض بالشيعي أن يفكر هكذا، لا أن يكون الأقوى (على الأوادم) من طائفته، ومن سائر الطوائف، دون أن نغفل التاثير الرهيب للايحاءات المبرجة بأن المقاومة مسؤولة عن سقوط البلد ليس في العوز فحسب، وانما أيضاً في الخواء، بفعل الصواريخ التي جعلت حتى رياح جهنم تهب على لبنان، كما لو ان اللبنانيين من دقوا، بأحذيتهم، أبواب تل ابيب، لا أحذية أرييل شارون، وزبانيته، وهي تختال في أروقة القصر الجمهوري في بعبدا.

مشكلتنا في الأحزاب، والقوى، التي تقوم على «ايديولوجيا الكراهية». هذه الكراهية التي تستخدم، بدفع خارجي أو بدفع غرائزي، في الحرب ضد حزب الله. ربما ذلك من تراث هذا البلد، وحيث أحزاب الطائفة الواحدة تتبادل ما دعاه المطران الجليل جورج خضر «حوار الاسنان الصفراء» !

من يستطيع أن ينفي تشكيلنا القبلي، وعلاقاتنا القبلية، ان بالياقات الفاخرة، أو بالقصور الباذخة. في سهرة، هي سهرة الدهر، قال لنا محمد الماغوط «يا صاحبي، اننا نقود الرولس رويس، ونحن ننتعل القباقيب»!

فور أن اغتيل لقمان سليم، وهي الجريمة التي يرفضها أي عقل نظيف، وأي ضمير نظيف، انهالت الاتهامات على الحزب. مواقف الفاست فود، لبنانياً وعربياً، جاهزة. دائماً نغمة التدخل العسكري في سوريا، كما لو ان الغاية ليست حماية الدولة في لبنان قبل حماية الدولة في سوريا.

السيناريو لم يكن يقتصر على تقويض النظام هناك. تقويض الدولة، ما يستتبع، في ظل الفوضى الايديولوجية، وحتى الفوضى الجيوسياسية، في المنطقة، زوال الدولة اللبنانية لترتفع رايات «داعش»، وكل تلك المشتقات الرثة، فوق القصر الجمهوري، وفوق السراي الحكومي.

هكذا بالتواطؤ مع أحصنة طروادة في الداخل الذين لم تهزهم فاجعة الجيش اللبناني في عرسال، بل ذهبوا الى هناك ليعلنوا الولاء لأبي بكر البغدادي، ولأبي محمد الجولاني، ولأبي عمر الشيشاني.

هؤلاء الذين لم يقرأوا ما توقعه أفيغدور لبيرمان حول سقوط لبنان وسوريا بالضربة القاضية. أيضاً، هؤلاء الذين لم يروا كيف قطعت رؤوس العسكريين اللبنانيين، أو كيف افرغت زخات الرصاص في رؤوسهم، هل كانوا ينتمون الى حزب الله؟

الذين لا يعرفون طول الحدود بين لبنان وسوريا، وبينهم وزير داخلية سابق (قال 60 كيلومتراً وهي 375 كيلومتراً). اي أن لبنان من شماله الى جنوبه كان يمكن أن يسقط، خلال أيام، في قبضة الآتين من ليل الأزمنة، لتباع نساؤنا كما بيعت النساء اليزيديات، والمسيحيات، والشيعيات، وحتى النساء السنيات، في أسواق الموصل، وفي أسواق الرقة.

حتى ولو كنا ضد النظام، عار أن يكون الدخول الى سوريا تهمة يومية. لكن صراع الكراهيات، وصراع الجاهليات، على قدم وساق. هنا... خراب لبنان !

.