يوم دخل سعد الحريري «جنّة» التسوية الرئاسية مع التيار الوطني الحر، اكتشف أن ما اعتبره «جنّة» هو «جحيم» سياسي له ولتياره، فالحريري الذي اعتقد أن داعميه الخليجيين لن يتخلّوا عنه بسهولة بعد التسوية، وأنهم سيتفهّمون إقباله على انتخاب مرشّح حزب الله للرئاسة في لبنان، في عز الخلاف بين هذه الدول والحزب، في الحرب السورية، سحبوا يدهم منه، ولا زالوا.

يومها نصح مقرّبون من رئيس الحكومة المكلف، الحريري أن لا يُقدم على الخطوة، ولكنه لم يستمع إليهم، إنما اليوم لم يعد الحريري كما كان في زمن التسوية، فالرجل اقتنع أنه لا يمكن أن ينجح كرئيس للحكومة، ما دامت هذه الدول العربية لا تدعمه، وبالتالي، هناك شرط أساسي وضعه الحريري على نفسه يوم تولى عملية تشكيل الحكومة المقبلة، وهو الحصول على الرضى السعودي.

وضع الحريري هذا الهدف نصب عينيه ومضى في جولاته الخارجية في محاولة لعودته إلى الحضن السعودي، ولكن في المملكة، وبحسب مصادر مطّلعة، لم تعد المشكلة مع الحريري مشكلة شخصية كما كانت منذ عامين، بل هي مشكلة سياسية، إذ انهم يعتبرون أن الحريري سواء كان برئاسة الحكومة أم لم يكن، لن يتمكن من الوقوف بوجه تحكم حزب الله عبر حليفه التيار الوطني الحر، في مفاصل الدولة اللبنانية، لذلك اصبح الرضى السعودي متوقفاً على شروط لا يمكن للحريري أن يحققها له، وأبرزها إخراج حزب الله من الحكم.

وتؤكد المصادر أن السعوديين التقوا مع إدارة الرئيس الأميركي السابق ترامب في هذا الشرط، لذلك تخلّى الفرنسي عن مبادرته مؤقتاً لحين رحيل ترامب، وبعد رحيله وجد أن إدارة بايدن تملك الشرط نفسه، ولكن بحدّة أقل، أي انها منفتحة على خيارات ممكن اللجوء إليها، وعلى رأسها خيار «الوزراء الإختصاصيين لا الحزبيين»، ولكن السعودية لم تغيّر موقفها بعد.

وترى المصادر أن السعوديين أصبحوا أكثر تشدّداً في هذه المسألة بعد وصول بايدن إلى الرئاسة الاميركية، لانهم وجدوا أن كل مكتسباتهم السابقة تسقط، فالاميركي يحضّر للعودة إلى المفاوضات مع إيران، وقرر وقف الدعم العسكري للحرب السعودية على اليمن، وأزال الحوثيين عن لائحة الإرهاب، لذلك أصبح التشدد اكبر في السعودية، وأصبحت مسألة مساعدة لبنان، وتشكيل الحكومة فيه، ودعم هذه الحكومة، أكثر صعوبة وتعقيداً.

يعلم الحريري، بحسب المصادر، أن هذا الشرط لا يمكن أن يتحقّق، وأن الحل يجب أن يكون وسطيّاً، أي بتشكيل حكومة من خارج الأحزاب، وتضم مستقلين اختصاصيين، وأبلغ الفرنسيين خلال زيارته الأخيرة لباريس أن موافقة السعودية ضرورية لنجاح أي حكومة، وبالتالي نجاح المبادرة الفرنسية، لذلك ستكون زيارة الرئيس الفرنسي إلى الرياض الأسبوع المقبل مفصلية وأساسية، ولكن عنوانها الأساسي سيكون كيف يمكن تطمين السعوديين، وهذا ما سيحاول ماكرون فعله من الباب الإيراني لا اللبناني، لأن مشكلة الرياض الأساسية هي مع طهران لا بيروت.

من هنا ترى المصادر أن مهمّة ماكرون في الرياض لن تكون سهلة إطلاقاً، ولنجاحها يجب على الأميركيين والإيرانيين المساعدة أيضاً، لأن المسألة تتعلق بالجميع لا بدولة واحدة، ولبنان هو في آخر لائحة هذه الدول، مشددة على أن موافقة السعودية على مساعدة لبنان لن تكون سهلة الحصول قريباً.