لا أظن، إذا استثنينا القوات الأطلسية تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية ووكلائها المحليين، أن أحداً يعترض اليوم على أن الدولة اللبنانية كما كانت تحللت في الثلاثين سنة الماضية ولم يبق منها إلا بعض الرواسب والشوائب، لذا يتساءل المرء استطراداً عن مصير البلاد بعد زوال الاحتلال الأطلسي، لو زال!

لا أجازف بالكلام أن الأمور تتسارع منذ تشرين أول 2019، بعض اللبنانيين يزعم أن "الثورة" انطلقت في ذلك التاريخ، (ليس في لبنان ثورة، لن تكون ثورة، أضف إلى أن زمن الثورات ولىّ). فما يجري في الواقع على صعيد الدولة هو انهيار. لا أعتقد في هذا السياق أن المنظومة الحاكمة هي المسؤولة عنه، وإنما هي القوى الغربية التي جاءت بهذه المنظومة إلى الحكم تواصلاً مع السيرورة التي انطلقت في سنوات 1980 بالغزو الإسرائيلي واحتلال مدينة بيروت! ليس احتلال عاصمة البلاد أمراً عادياً في المسألة الوطنية. الدليل على ذلك أن تعليم مادة التاريخ توقف بعده، في المدارس!

لا حاجة في هذا الصدد إلى ارتجاع المعطيات الموضوعية لإثبات ذلك. أكتفي بالإشارة على عجالة إلى أن أعضاء المنظومة الحاكمة انتصروا، أولاً على طوائفهم قبل أن يحتلوا الدولة، لأنتقل من بعد إلى تعداد بعض المعالم التي أستند إليها بكل تواضع في صياغة فرضية تتعلق بالتطورات الجارية، ومحركاتها والقوى التي تعترضها (إذا كنا ممنوعين من التفكر الجماعي في مصيرنا، فلا شك في أننا نتفكر فرادى).

1 ـ وقع نظري اليوم على لائحة وقعها عدد من الأشخاص (47)، من لبنان وسورية والأردن والعراق، يطالبون الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن بإبقاء "الحصار على سورية".

2ـ تعطيل الجهاز القضائي: يقول بعض المعنيين بالشأن العام أن التحقيق في تفجير المرفأ أنجز ولكن يجري التكتم على خلاصاته، تجدر الملاحظة في السياق نفسه أن المحققين لم يتسلموا بعد هاتف الناشط السياسي الذي اغتيل في 4 شباط الجاري.

3 ـ إغلاق المصارف أبوابها توازياً مع الإعلان عن انهيار العملة الوطنية. هذا لم يمنعها من تحويل مبالغ كبيرة بالعملة الأميركية، طيلة العام الفائت، كما نستنتج من مساءلة القضاء السويسري للحكومة اللبنانية وحاكم المصرف المركزي عن تحويلات مالية يشتبه بمصادرها .

4 ـ تزايد عمليات الجيش البريطاني على الحدود اللبنانية السورية (يتصادف ذلك مع أخبار تفيد عن وصول مائة عربة دورية عسكرية من إنكلترا إلى لبنان)!!!

أكتفي بهذه الأمثلة، لأقول أنه ليس مستبعداً أن يكون ما يجري في لبنان تمهيداً لصيرورة يقتضي بلوغها نزع وسائل الردع التي تطالب إسرائيل بنزعها والانخراط في حصار سورية عسكرياً وإقتصادياً بالإضافة إلى تدويل أجزاء من لبنان واقتطاع أجزاء وضم أخرى. إن الوضع الحالي يحاكي نظيره غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، آنذاك كان المطلوب أيضاً وضع حد للوصاية السورية والإتيان بحكومة "مهمة". يقال ان التاريخ يعيد نفسه ولكن على شكل مسخرة..!.