لم تستطع الاحزاب العلمانية في لبنان تحقيق اهدافها في تأسيس دولة لبنانية علمانية، وحسب قيادات حزبية مخضرمة ، فان هذه الاحزاب قد فشلت في تحقيق اهدافها ولو في جزء يسير منها، بل انكفأت هذه الاحزاب وبعضها تشرذم، والبعض الآخر في طريقه الى التفتت، في مسلكية التصارع على المناصب والمكاسب، لا سيما ان الفشل جاء لمصلحة الاحزاب والحركات الدينية بمختلف اطيافها، حتى تلك التي تدعي العلمانية في قانونها الداخلي، بينما لا تفسح المجال في صفوفها وفي صفوف قياداتها الا لابناء الطائفة الواحدة.

تلك الحال السائدة على الساحة اللبنانية عموما، ادت الى صعود نجم الحركات الدينية، ومعها الى تكريس دور بارز لرجال الدين كمرجعيات لا يجوز تخطيها، وبات العرف في لبنان هو الدستور غير المنصوص المعمول به.

الى المرجعيات الدينية يعود الساسة والزعماء التقليديون يخطبون ود هذا المرجع او ذاك، ويطلبون الرضى والمباركة، وما يصح لدى الطوائف المسيحية ، يصح لدى الطوائف الاسلامية.

غير ان الشارع الاسلامي السني كان الابرز من حيث تنوع القوى والحركات الاسلامية، فظهر اسلاميون في طرابلس المدينة التي اعتبرت في الآونة الاخيرة انها المخزون السني الاول الذي يتكئ عليه اي مشروع سياسي لقيادات وزعامات سنية تقليدية تصوب على المركز الرئاسي الثالث وفق العرف الساري المفعول.

تلك الحركات الاسلامية كانت الى الامس القريب ذات سلطة في ميدان القرار السياسي، على مستوى الطائفة الاسلامية السنية من طرابلس العاصمة اللبنانية الثانية،الى بيروت العاصمة الاولى.

"الجماعة الاسلامية"

ففي طرابلس كان تأسيس اول حركة اسلامية لبنانية في ستينيات القرن الماضي على يدي الداعي الاسلامي فتحي يكن ( المنتمي اصلا الى جماعة الاخوان المسلمين ) والذي انشق عنهم ليؤسس في لبنان ومن مدينة طرابلس تنظيم الجماعة الاسلامية، الذي ما لبث ان تمدد الى بيروت وصيدا والبقاع الغربي والبقاع الاوسط وحيث توجد تجمعات سكنية اسلامية سنية.

شهدت الجماعة الاسلامية تطورات، في النهج السياسي على يدي الداعي الاسلامي الشيخ يكن، منذ تأسيسه للتنظيم وصولا الى نسج علاقات تحالف متينة مع حزب الرفاه التركي بقيادة نجم الدين أربكان وهو الحزب القريب بنهجه وفكره للجماعة، ومن ثم نسج علاقات مع حزب العدالة والتنمية الذي اسسه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي انشق عن حزب الرفاه واسس حزب العدالة.

واقام الداعية يكن علاقات مع القيادة السورية في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ومن ثم مع نجله الرئيس بشار الاسد وتمكن من دخول الندوة البرلمانية مع نائبين آخرين.

البذرة السلفية

الى جانب الجماعة الاسلامية ، كانت البذرة السلفية قد بدأت تنبت في طرابلس في اربعينيات القرن الماضي، على يدي الداعي الراحل الشيخ سالم الشهال الذي بدأ نشاطه داعيا للسلفية الفكرية في محيطه الضيق، الى ان تسلم نجله الشيخ داعي الاسلام الشهال الراية السلفية (الذي توفي منذ أشهر قليلة في تركيا اثر اصابته بكورونا)، ووضع الراحل داعي الاسلام الشهال البذور الاولى لجناح عسكري سلفي اسماه ( نواة الجيش الاسلامي) الذي شارك في معارك طرابلس ابان الحرب الاهلية وفي الثمانينات.

هذه النواة السلفية اثمرت حركات وقوى عديدة على الساحة الطرابلسية، لكنها كانت تتشرذم وتلد قوى اسلامية تتنافس ولكل منها نهجها ورؤيتها.

التوحيد الاسلامي

ثم كان لحركة التوحيد الاسلامي التي اسسها الداعي الراحل الشيخ سعيد شعبان الدور البارز في الحياة الطرابلسية وفي الاوساط الاسلامية السنية على مسافة البلاد من طرابلس الى بيروت وصيدا، لكنها شكلت في طرابلس القاعدة والمنطلق، وضمت في صفوفها قوى اسلامية متنوعة ابرزها : جند الله، حركة الغضب بقيادة القائد الشعبي الذي رسخ العمل الاسلامي الجبهوي في طرابلس ابو عربي خليل عكاوي، ومجموعات صغيرة كان يغذيها ياسر عرفات.

من الأقوى ؟

السؤال المطروح اليوم، هل بات الاسلاميون اقوى من الزعامات التقليدية في طرابلس وعلى مدى مساحة لبنان، وهل يستطيعون تغيير نتائج الانتخابات النيابية ؟؟

هذه المشهدية التي تصور القوى والحركات الاسلامية، تغيرت منذ عدة سنوات، اي منذ خروج الراحل الداعي فتحي يكن من التنظيم الذي اسسه، وقلما تجد تنظيما ينقلب على مؤسسه كالذي حصل مع يكن، وبات الراحل يكن في اتجاه، وتنظيمه الذي ولد على يديه في مكان آخر، وحصلت فيه تصدعات خفضت من قدراته السياسية والشعبية، وايضا تعرضت حركة التوحيد في تاريخها الى نكسات قلصت من قوتها الشعبية بالرغم من دخولها اكثر من معركة انتخابية جذبت اليها الانظار، اما الحركة السلفية فقد باتت قوى ومجموعات غير منسجمة فيما بينها فنشأت السلفية الفكرية والسلفية الجهادية ومنهما ولدت سلفيات اخرى ذات تسميات معقدة.

برأي الشيخ نبيل رحيم الخبير في الشؤون الاسلامية، انه لو توحدت الحركات والقوى الاسلامية واجتمعت في جبهة واحدة متراصة، لكانت بالفعل هي الاقوى على الساحة الاسلامية في لبنان، وبالتالي ستكون اقوى من الزعامات التقليدية والزعماء السياسيين، وعندئذ كانت هي من تقرر نتائج الانتخابات النيابية وتبدلها.

لكن – يقول رحيم – ان الاسلاميين اليوم مشرذمون، فكل حركة او مؤسسة او جمعية اسلامية، او شيخ .. لكل منهم اهدافه ومشروعه وتوجهاته الخاصة به، ولكل منهم فكره ومدرسته، ولذلك هم الاضعف، بل والاضعف من الزعامات التقليدية بكثير.

ويضيف رحيم : لا شك ان الزعماء التقليديين من نواب وقيادات سياسية في طرابلس ولبنان، هم اقوى من الحالة الاسلامية المشرذمة بكل توجهاتها وانتماءاتها.

لا يتوقع الشيخ رحيم، وفقا لهذا الواقع، اي تبدل في نتائج الانتخابات النيابية، بل يتوقع ان تبقى النتائج على حالها، ولعل نسبة الاقبال على الانتخابات النيابية المقبلة ستنخفض كثيرا، لان شرائح واسعة من المواطنين كفرت بالسياسيين وفقدت الثقة بهم،ولم تعد معنية باللعبة السياسية سواء كانت زعامات تقليدية او قوى وحركات اسلامية، وهذه الشرائح تزداد يوما بعد يوم.

فبرأي الشيخ رحيم ان الناس لم تعد تعنيهم الانتخابات، لان النتيجة معروفة مسبقا من خلال قانون الانتخابات، او من خلال التحالفات التي توفر الفوز للزعامات التقليدية .

ويشير رحيم الى ان المؤثر الاول في الشارع الاسلامي السني على مستوى لبنان كله لا يزال الرئيس سعد الحريري، حتى في طرابلس يبقى الرئيس الحريري المؤثر الاول يليه الرئيس ميقاتي.

المؤسسة الدينية الرسمية العليا في خدمة القيادات السياسية

هنا يشير مرجع اسلامي طرابلسي الى ان المرجعية الدينية الاسلامية السنية الممثلة بمفتي الجمهورية باتت تحت جناح المرجعية السياسية ويعمل لمصلحة الزعامة التقليدية فيوجه مشايخ دار الفتوى ودوائر الاوقاف الاسلامية ويسخرهم في خدمة هذه الزعامات، ولا يزال خطاب مفتي الجمهورية يرن في اذهان الكثير من المسلمين حين وقف في المسجد والى يمينه الرئيس الحريري قائلا له، إمض فانا معك ..

ويرى هذا المرجع ان المؤسسة الدينية الرسمية العليا باتت في خدمة القيادات السياسية التقليدية، ولم تعد مؤسسة تحافظ على المسافة الواحدة بين جميع القوى والتيارات السياسية في الشارع الاسلامي السني، بل هي منحازة لتيار سياسي واحد هو تيار المستقبل.

أضف الى ذلك – يقول المرجع الاسلامي – ان الاسلاميين باتوا موزعين فرقا وأجنحة يعملون لدى مكاتب الزعامات التقليدية من نواب ووزراء وقيادات سياسية، ويتلقون رواتب شهرية منهم او بصيغة مساعدات لجمعيات وحركات دينية مقابل الولاء لهذا النائب او ذاك.