وهل استحقت «الهمروجة» حولها ؟

ها هو لبنان يصل إلى «صفّ لقاح كورونا» متّبعًا قاعدة «أن تصل متأخرًا خير من أن لا تصل أبدًا»، لأنّه كعادته، إذا حضر، درج على حضور صفوفه متأخّرًا، ودومًا يفضّل الجلوس في الصفوف الخلفيّة، إذ إنّه حتّى الآن أمّن لقاحات لأقلّ من واحد في المئة من سكّانه.

وما أكمل هذه اللوحة صورة من مركز راهبات الصليب للمسنّين والأمراض المزمنة في برمّانا، حيث الممرّضة المحجّبة تعطي اللقاح لمواطنتها الراهبة. لكن مهلك يا لبنان، ألم تكمل هذه اللوحة منذ زمنٍ بعيد، منذ أكثر من مئة عام، تحديدًا عام 1920 حين تغنّيت بتنوّعك الطائفيّ وبعيشك المشترك؟ ثم عدت وبنَيت لبنان المستقلّ القائم على «جناحيه المسلم والمسيحي» عام 1943. حتى أنّك وبعد رسوبك عام 1975، أعدت تقديم صفّك هذا عام 1989، حيث شدّدت على مفهوم مجدّد للشراكة بين اللبنانيين بجميع أطيافهم.

يقول بيكارد إنّ مفهوم تقدير الذات يعتمد على كيفيّة تقدير الفرد لنفسه، حيث يتأثّر تقدير الذات ببلوغ المعايير والأهداف. أمّا كارل روجرز الذي عمل مع أبراهام ماسلو صاحب «هرم ماسلو للحاجات» الشهير على تأسيس التّوجه الإنساني في علم النفس، فيقول إنّ الإنسان في سعيٍ دائمٍ للتذكير وللتقييم الإيجابيّ، لتثبيت الصورة التي رسمها لنفسه. إذًا، وإنطلاقًا من هاتين النظريّتين، هل انبهار لبنان بأيّ مظهرٍ من مظاهر العيش المشترك فيه ليس إلّا إعادة تذكير وتأكيد للصورة التي رسمها لنفسه، عبثًا محاولا تَصديقها وإثباتها لنفسه قبل الآخرين؟

نستذكر هنا الممثّل والمؤلّف والمخرج جورج خباز الذي كتب «حكاية وطن»، متطرّقًا إلى هشاشة عيشنا المشترك الذي أشعل الحرب الأهليّة اللّبنانيّة، قائلا:

«وكتر ما غنّوا لبيروت، طرقووا صيبة عين

ما عادت تعرف بيروت، القذايف عم تِجي منين

يقعد حسن وبشارة، مع بعضُن عحدود التّماس

فنجان قهوة وسيجارة، يتسلّوا ويحكوا عالنّاس

ولم يعطوون إشارة، يبلشوا عبعضن قواص»

إنطلاقًا من هنا، تواصلت «الديار» مع الفنّان جورج خبّاز لمعرفة رأيه بالصورة-الإنجاز، حيث أتى جوابه للدّيار مستغربًا هذه «الهمروجة»، مؤكّدًا أنّها صورة جميلة نعم، إلّا أنّها «ما بدّا هالقد» لأنّها تمثّل مشهدًا طبيعيًّا جدًا من يوميّات النسيج اللبنانيّ، نجدها في كل بلدان العالم، وقد تنقلب الأدوار في الصورة، لذلك لا يجب التّوقف عندها كثيرًا، «لأنّو هيك من كون عم نسخّف الموضوع». كما شدّد على أنّ الطائفيّة في لبنان ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، وهي آفّة كبيرة جدًا أدّت إلى كلّ المشاكل السياسيّة، داعيًا إلى مجتمعٍ مدنيّ بعيد عن التقوقع الطائفيّ.

في الختام، لا يسعنا سوى أن نتمنّى النّجاح لحملة لقاح كورونا في لبنان، آملين أن تشمل جميع المقيمين في لبنان بعيدًا عن المحسوبيّات. كما نتطلّع إلى تحقيق إنجازات مستقبليّة حقيقيّة تليق بعراقة لبنان وتاريخه، والذي أحسن المبدع جورج خبّاز وصف أمجاده، قائلاً:

«من زمان كتير كتير، الله خلق هالاكوان

وخلق هالبلد الزغير، ونقّالو اسم لبنان

كان جَوّو متل السحر، وكانت رجال رجالو

شو كاين نضيف البحر، يغَسِّل إجرّين جبالو

كانت العيشة حلوة، والرزقة يا ماشالله

وكروم العنب بَلوِة، التّفاحة كيلو اسم الله

يرمي الشبكة هالصِيّاد، تطلع مليانة الشبكة

ما تُخلص مِنّو الأعياد، الطقش الفقش والدبكة

وكِتِر ما تغَرِّد الطيور، تصّفّي صواتا مبحوحة

والناس تنام بهاليل، تاركة بوابا مفتوحة

صداقة حب وأمان، محبّة ونشاط وحركة

كان طَيِّب الانسان، ماشي وعايش عالبركة

... فجأة متل البرق، صار بلد الإزدهار

إسمو صار سويسرا الشرق، لَيلو مُضوي متل النهار

هالجايي وهالرايح ليقضي سهرات الكيف

يجي لعنّا السايح، يبقى لآخر الصيف

العَرَق والكبّة النيّة، التّبولة والقطايف

عيشة حلوة وهنيّة، لا أديان وطوايف».