ماذا فعل بنا دونالد ترامب، بتغريداته التي أقرب ما تكون الى قهقهات الشيطان، سوى أنه أماط اللثام عما فعله وما يفعله بنا الغرب منذ ظهور المسألة الشرقية (1823) ؟ ناعوم تشومسكي هو من قال ان محرقة العرب أشد هولاً من محرقة اليهود «التي أيقظت الزمن اليهودي». هنا الزمن العربي هو الذي مات. .

كما لو أن الرئيس السابق أراد أن يطلق رصاصة اللارحمة على رؤوسنا. وضع أمامنا الغول الايراني، وقال «هذا هو عدوكم»، دون أن يتورع البعض في ايران من الرقص حول أكوام الحطب، وهذا (لا نتصور) أنه منطق آية الله خامئي، ولا منطق حسن روحاني.

دونالد ترامب نسي الصين، ونسي كوريا الشمالية، ونسي الكورونا. اعتبر أن ايران، بترسانتها النووية، وبأساطيلها التي تنتشر من شواطئ الكاريبي الى شواطئ الباسيفيك، هي التي تهدد الأمن الدولي. ربما من أروع ما قيل في هذا المجال سؤال ليسلي غليب «ذاك الرجل الذي وعدنا بأميركا العظمى، ألم يظهر، في تغريداته، أن أميركا مجرد قطة أمام النمر الايراني».

قد نكون أمام لغة أخرى، سياسة أخرى. لا نقول بانقلاب دراماتيكي في الاستراتيجية الأميركية، ولا بنهاية وشيكة للوجود الأميركي الذي تتمسك به شخصية عراقية شيعية بارزة «اذا انسحبت أميركا من الخليج، البديل رجال من طراز جهيمان العتيبي الذي اقتحم الحرم النبوي في مكة عام 1979، باعتبار أن الله، وكما قال النبي، يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي دينها «، وباعتبار أن محمد بن عبد الله القحطاني، شقيق زوجة جهيمان، هو. .. المهدي المنتظر !

على الأقل لا تكون اليوميات المجنونة التي حولت المنطقة الى مهرجان للحرائق. فريق جون بايدن يتحدث بلهجة أخرى، دون أن تتغير النظرة الى اسرائيل كونها «الوديعة الالهية»، أو» الوديعة الأميركية»، الا في الحدود اتي تضبط الايقاع التوراتي، وهو الايقاع الدموي، لسياسات بنيامين.

الوسطاء الذين يدركون مدى «موت الثقة» بين واشنطن وطهران، ارتأوا، كمبادرة أولية لاعادة بناء المناخ الذي أفضى الى اتفاق فيينا، أن تقدم الولايات المتحدة على الخطوة الأولى في ما يتعلق بملف العقوبات التي سحقت ملايين الايرانيين على نحو مروع.

ريتشارد ميلز، نائب المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، ابلغ مجلس الأمن بسحب بلاده اعلان ادارة دونالد ترامب فرض كل عقوبات المنظمة الدولية على ايران. تزامن ذلك مع تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية بأن الولايات المتحدة تقبل الدعوة الأوروبية لحضور «اجتماع مجموعة 5 + 1 وايران للبحث في الطريقة المثلى للمضي قدماً في شأن برنامج ايران النووي».

الايرانيون، بطبيعة الحال، رفعوا السقف. محمد جواد ظريف دعا الى الغاء غير مشروط لكل العقوبات التي فرضتها الادارة السابقة. ايران أمام استحقاق رئاسي في حزيران المقبل. المعركة ستكون ضارية بين المحافظين والاصلاحيين. الآراء شديدة التناقض حيال طريقة (وفلسفة)التعامل مع الولايات المتحدة.

الصقور يعتقدون أن احدى القواعد الاستراتيجية، وحتى الايديولوجية، للنظام «الصراع المفتوح مع الشيطان الأكبر» . أي تغيير في هذه القاعدة، حتى ولو كان التغيير التكتيكي، لا يلغي «الصدقية التاريخية» للنظام فحسب، بل يهدد بزعزعته، وحتى بتقويضه، مع انحسار كارثي للوجود الجيوسياسي والجيوستراتيجي في المنطقة.

التيار الآخر يرى أن ايران، بامكاناتها التاريخية، وبطبيعة نظامها، فضلاً عن مواردها البشرية والطبيعية الهائلة، لا يمكن أن تكون محظية أميركية. أركان «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة على بيّنة من ذلك. أقصى ما يتطلعون اليه ألاّ تكون العلاقات مع ايران على فوهة البركان لانعكاس ذلك على المصالح الأميركية. ليكن الصراع، ولكن في الحدود التي لا تجعل الشعب الايراني يتحمل كل تلك الويلات.

الوسطاء يعتبرون أن من مصلحة العالم، وبالدرجة الأولى من مصلحة الأقليم، ألا تستمر العلاقات بين واشنطن وطهران في التدهور. العودة ضرورية الى أجواء 2015. الطريق شائكة لكنها الطريق الوحيدة الى شرق أوسط حان الوقت لكي يتنفس نصف الصعداء. ..