سمعنا وقرأنا الكثير من الآراء التي تناولت كلمة البطريرك بشارة الراعي أمام جمهور المحتشدين في بكركي السبت الماضي. وتوزعت هذه الآراء بين المؤيد والمستذكر لأمجاد البطاركة في مواجهة المخاطر التي تحدق بالبلاد، الى الرافض والمنتقد للنبرة العالية ودعوته لتدويل الأزمة اللبنانية وتشديده على ضرورة التخلص من السلاح غير الشرعي، والكثير من الآراء المؤيدة أو المعارضة جزئياً لما قاله.

ولا بد من اجراء قراءة هادئة لكلمة البطريرك، التي حملت مجموعة من المواقف التي لا يتفق عليها كلها جميع اللبنانيين، وبعضها يناقض مواقف البطريرك نفسه، أو يناقض مفاهيم سيادة الدولة والديمقراطية والحياد. سأترك جانباً كل التأويلات التي تتحدث عن مؤامرة خارجية وأيادٍ خفية تريد الشر للبنان والمقاومة. فهذه مسألة تقررها الأيام القادمة. وسأركز على نقاش موضوعي هادئ لمعظم ما جاء في كلام البطريرك، لتبيان نقاط القوة والضعف، بغض النظر عن الموقف الشخصي من المواقف المطروحة.

من الضروري في البداية التأكيد على الفشل الذريع للطبقة السياسية الطائفية الاقطاعية التي نهبت البلاد وأفقرت الشعب وركزت الثروة الوطنية في ايادي نسبة تقل عن 1% من الشعب، وفشلت في بناء دولة المؤسسات ونهشتها بالفساد والازلام والمحسوبيات، وتآمرت على مدى ثلاثين عاماً مع الغرب والشرق لضمان بقائها. فاختلفت حيناً وتوافقت أحياناً، وكانت كلما اختلفت تعطل البلاد بالأزمات، وكلما اتفقت سرقت موارده بالصفقات. وبالتالي فإن كل من ينتقد هذا الواقع ويرفع الصوت بهدف الخروج من الحالة الحاضرة هو مشكور، على أن يكون منسجماً في مواقفه مع كلامه، وأن لا يسمح أن تتحول مواقفه الى ميدان لتصفية الحسابات والاختراقات الخارجية.

أكد البطريرك خلال كلمته على قراءته الخاصة لعدد من المسائل الجوهرية المتعلقة بعلّة وجود الكيان اللبناني وماهيته ومستقبله، كقوله أن «الهدف من انشاء دولة لبنان هو خلق كيان حيادي في هذا الشرق يشكل صلة وصل وجسر تواصل بين الشرق والغرب». وأننا «ولدنا لنعيش في مروج السلام الدائم ونرفض أن نعيش في ساحات القتال الدائم أسوة بكل الشعوب ونحن أبناء سلام ونحن شعب يريد أن يعيش كل تاريخه تاريخ صداقات لا عداءات وميزة لبنان الجغرافي هو أنّه يعيش التواصل لا الأحقاد وهذا هو دورنا وميزتنا ورسالتنا».

التعبير عن إرادة اللبنانيين العامة الواحدة

المنطق الذي تحدث به البطريرك يوحي بأنه يعتبر ان مواقفه تعبّر عن الارادة العامة للبنانيين، الذين منهم من يدعمه علناً، برأيه، والآخرون مغلوب على أمرهم ويدعمونه ضمنياً لألف سبب وسبب. وهو أكد على موقفه الإيجابي الوطني بشكل عام، بقوله «نحن هنا نطرح الحلول وليس المشاكل، ومدعوّون لمقاربة الأفكار بكلّ إيجابيّة لأننا لا نفكّر إلا بإيجابيّة ولا نفكّر إلا وطنياً»، وبأن «البطريرك لا يفرّق بين لبنانيّ وآخر لأنّ التضامن أساس وحدتنا ووحدتنا هي أساس لبنان»… وأن «لبنان هو للجميع أو لا يكون»، وأنه لن يقبل «أن يجوع الشعب ويعيش الفقر».

هذا منطلق جيد، وضروري، لكنه غير كافٍ، ولا يخوّله التحدث باسم جميع اللبنانيين، والدعوة الى مؤتمر دولي برعاية أممية لتقرير مسائل سيادية يجب عن تنطلق من الإرادة العامة الموحدة للشعب اللبناني، لا من فرض حلول خارجية عليه.

فالتكلم باسم الارادة العامة الموحدة للبنانيين، يتطلب وجود نقطتين غير محققتين:

- الأولى أن يكون للبنانيين فعلاً إرادة عامة واحدة. بينما يعرف القاصي والداني أن اللبنانيين منقسمون عامودياً على الكثير من المواقف، وليس لديهم مفاهيم وثوابت مشتركة كثيرة فيما يتعلق بمسائل الديمقراطية والطبقة السياسية الحاكمة ومكافحة الفساد والسيادة والحياد والعلاقات الدولية وغيرها.

- والثانية، أن التعبير عن هذه الارادة العامة، والتكلّم باسم الشعب في مسائل سيادية، بحاجة الى تفويض من الشعب نفسه. والبطريرك الماروني، برغم ما له من موقع معنوي وروحي ووطني، ليس مفوضاً بالتكلم باسم كل الشعب. فهو يمكن أن يتحدث عن ما يعانيه الشعب من مآسٍ، وهذا ربما واجب ديني وأخلاقي ووجداني ووطني. لكنه لا يستطيع أن يدعو الى مؤتمر دولي بأشراف الأمم المتحدة، ليقرر ما يراه هو مناسباً للبنان الدولة والكيان. هذا ضرب لمفهوم الديمقراطية وخرق للسيادة الوطنية ولبنية الدولة، التي يدعو البطريرك لإنقاذها. وهذا الاسلوب مستمد من زمن الدولة الدينية ومرحلة ما قبل الدولة القومية الديمقراطية، يوم كانت الملّة أو الطائفة هي كيان ديني سياسي اجتماعي يمثله وينطق باسمه رأس السلطة الدينية.

الدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة

وهذا بحد ذاته، يناقض دعوة البطريرك نفسه الى إقامة الدولة المدنية التي تفصل بين الدين والدولة، مع أنه لم يحدد ما إذا كان يعني بذلك ما تعنيه الدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة في الغرب، الذي بنى نهضته القومية والعلمية على هذه المبادئ منذ الثورتين الاميركية والفرنسية. وبرغم أن الدعوة الى الدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة، بحسب المفاهيم المتعارف عليها دولياً، هي مسألة جيدة بشكل عام، ومطلوبة برأينا، لكننا لا نعلم مدى دعم الكثير من مؤيدي مواقف البطريرك لها، سواء من الاحزاب الطائفية المسيحية، أو من رجال الدين والاحزاب من الطوائف الاخرى. إضافة أن تشديد البطريرك على ضرورة بقاء الدولة المدنية دولة مركزية واحدة في لبنان، وضرورة تثبيت ذلك من قبل المؤتمر الدولي العتيد، تتناقض مع اقرب حلفائه الذين يدعون جهراً أو مداورة الى الفدرالية كحلّ ومخرج وحيد ان لم يستطع اللبنانيون الاتفاق على ثوابت مشتركة.

إن دعوة البطريرك لتدويل المسألة اللبنانية، من خلال مؤتمر دولي يفرض سياسات يراها البطريرك مناسبة، وقد لا يوافقه عليها نسبة غير قليلة من الشعب اللبناني، تُعتبر استقواء بالخارج لفرض وتثبيت مفاهيم ومواقف في الداخل، وفرضها على جزء من الشعب اللبناني غير مقتنع بها، وهي من الممارسات غير الحميدة التي يشكو البطريرك نفسه من أن بعض القوى السياسية في لبنان تمارسها لفرض آرائها ومواقفها على بقية الشعب.

وقد حاول البطريرك تبرير دعوته هذه بالقول : « لو تمكنت الجماعة السياسية عندنا من إجراء حوار مسؤول لما طالبنا بتاتًا بمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة يساعدنا على حل العقد التي تشل المؤسسات الدستورية». ويضيف بأن «كلّ ما طُرح رُفض من أجل سقوط الدولة ولكي يتمّ الإستيلاء على السلطة فنحن نواجه اليوم حالة إنقلابيّة بكلّ معنى الكلمة وعلى مختلف ميادين الحياة العامّة على المجتمع وعلى ما يمثّل وطننا من خصوصية حضارية، وعلى وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في إتفاق الطائف». ويتابع أن « كل ما نطرحه اليوم من حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي خاص به هو لإحياء الدولة المبعثرة والمعطلة والمصادرة».

وبالتالي، يعتبر ان دعوته، التي لم يستفتِ الشعب اللبناني حولها، هي مبررة بسبب فشل الجماعة السياسية في الداخل، ويستنتج أن هذا الفشل مردّه أن البعض يريد الانقلاب واسقاط الدولة والاستيلاء على السلطة. وهذا بالتالي يستوجب الدعوة الى التدويل.

التدويل والسيادة

ولو تجاوزنا نقطة أحقية البطريرك بالدعوة لمؤتمر دولي باسم الشعب وبدون تفويض منه، ودخلنا في تفاصيل ما يطلبه البطريرك من المؤتمر الدولي، لنرى إن كان ذلك يتوافق مع مبدأ سيادة الشعب الذي هو أساس اي نظام ديمقراطي، نرى في دعوة غبطته ما يلي:

«نريد من المؤتمر الدولي أن يُثبّت الكيان اللبناني المُعرّض جدّياً للخطر وأن يعيد تثبيت حدوده الدولية».

المعروف أن للبنان حدود مع الجمهورية العربية السورية، ومع فلسطين المحتلة. ولم نسمع عن خلاف حدودي مع الشام، باستثناء مسألة مزارع شبعا، وهل هي تابعة للبنان أم لسورية. بينما نعرف أن هناك خلافات رسمية بين الدولة اللبنانية وكيان العدو على الحدود البرية، بما في ذلك مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وعلى الحدود البحرية. فهل ما عناه غبطته أن المطلوب من المؤتمر الدولي تثبيت الحدود الجنوبية بحسب مطالب الدولة اللبنانية؟

« نريد من المؤتمر الدولي ان يجدد دعم النظام الديمقراطي، واعلان حياد لبنان فلا يعود ضحية الصراعات والحروب وارض الانقسامات بل يـتأسس على قوة التوازن لا على موازين القوى التي تنذر بالحروب».

هل أن مسألة حياد لبنان، مع كل توضيحات البطريرك لها على مدى الاشهر السابقة، هي مسألة متفق عليها وطنياً؟ واذا لم تكن كذلك، فماذا يعني الطلب من المؤتمر الدولي إعلان حياد لبنان؟ ألا يجب أن يصدر هكذا إعلان عن الشعب اللبناني أو من يعبر عن ارادته العامة او يمثلها؟ وأين السيادة في الطلب من مؤتمر دولي فرض هكذا إعلان لا يجتمع الشعب عليه؟

أما عن تجديد الدعم للنظام الديمقراطي، فلو قال بالتحول الى نظام ديمقراطي حقيقي، بعيداً عن التوافقية الطوائفية والمحاصصة والامتيازات، لخففنا نقدنا لهذا الطلب غير السيادي. لكن البطريرك يطالب بتجديد الدعم للنظام الديمقراطي القائم كما هو، أو تطويره دون المساس بتركيبته الطائفية المثبتة في «وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في إتفاق الطائف»، والتي يعتبرها من الثوابت. وها هو يقول في مكان اخر من الكلمة : «ان أيّ تطوير للنظام لا يجوز أن يكون على حساب ما اتفقنا عليه منذ تأسيس دولة لبنان. فالتطوير لا يعني النقض بل التحسين ولا يعني إلغاء المواثيق الدستوريّة بل توضيح الملتبس فيها لتتكامل السلطات وحقّنا أن نعيش حياة كريمة في وطننا». مع أن «ما اتفقنا عليه منذ تأسيس دولة لبنان» يختلف عما ورد لاحقاً في وثيقة الوفاق الوطني بعد حرب دامت خمس عشرة سنة.

«نريد من المؤتمر الدولي تنفيذ القرارات الدولية بما يسمح للدولة اللبنانية ان تبسط سلطتها الشرعية على كامل الاراضي اللبنانية من دون شراكة او منافسة».

ما هي هذه القرارات الدولية؟ هناك القرارات المتعلقة بالأراضي المحتلة في جنوب لبنان، وهذه بقيت دون تنفيذ لعشرات السنوات لولا مقاومة الشعب اللبناني وفرض انسحاب العدو من معظم هذه الأراضي، وما تبقى من ارض ومياه اقليمية بحاجة لتفاوض وقوة لاستعادتها. وقد لا تكون هذه القرارات هي المقصودة. وهناك أيضاً القرار 1559 والجزء المتعلق بنزع كل سلاح «غير شرعي» وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني. وهذه مسألة خاضعة لنقاشات كبيرة في الداخل اللبناني، حول شرعية وجود المقاومة وسلاحها، من عدم شرعيته، وضرورة وضع خارطة طريق واستراتيجية دفاعية وغير ذلك، بهدف الوصول الى حل لهذه المسألة. فماذا يعني الطلب من مؤتمر دولي بتنفيذ هذا القرار، في ظل فشل الجماعة السياسية على التوصل الى حلول لذلك؟ هل يعني اللجوء الى الفصل السابع في مجلس الامن وتنفيذه بالقوة؟ وهل القوى الدولية جاهزة لهكذا مغامرة؟ ومن هي هذه القوى التي قد تكون مهتمة بذلك، خاصة في الظرف السياسي الدولي الحالي الذي سنفصّله لاحقاً؟

«نريد من المؤتمر الدولي أن يوفّر الدعم للجيش اللبناني ليكون الوحيد القادر على الدفاع عن لبنان واستعادة القدرات الموجودة لدى الشعب من خلال نظام دفاعي يمسك بقرار الحرب والسلم».

هل مسموح توفير الدعم الكافي للجيش ليكون قادراً للدفاع عن لبنان؟ والجميع يعلم أن كل ما قد يؤثر على الانتهاكات الاسرائيلية هو ممنوع عن الجيش، حتى لو أتى على شكل هبات من دول لا يرضى عنها الغرب. وما معنى توفير الدعم للجيش لاستعادة القدرات الموجودة لدى الشعب؟ هل يعني دمج المقاومة بالجيش من خلال استراتيجية دفاعية وطنية يتفق عليها داخلياً، أم يعني توفير الدعم لاستعادة هذه المقدرات بالقوة من خلال نزع سلاح المقاومة؟ وهل هذا خيار يستطيع مؤتمر دولي تنفيذه دون حروب داخلية أو 7 أيار آخر؟

«نريد من المؤتمر الدولي خطة لمنع التوطين الفلسطيني وإعادة النازحين الى ديارهم».

منع التوطين الفلسطيني كيف يتم، بدون ذكر حقهم بالعودة الى أرضهم؟ هل يعني اعادة توطينهم في بلدان أخرى غير لبنان؟ أم إبقاءهم في مخيمات البؤس دون أدنى حقوق انسانية؟ وكيف يمكن إعادة النازحين السوريين الى ديارهم دون الحديث مع الحكومة السورية، خاصة بعد زوال أوهام انتصار المعارضة المسلحة او القوى التكفيرية، حيث كان يحلم البعض بإعادة النازحين الى مناطق المعارضة، وتكريس تقسيم سورية. خاصة وأن غبطته يريد الحياد ويدعو بنفس الوقت الى الانفتاح على الاخوة العرب. فالحياد الايجابي الذي يدعو اليه، مفترض أن يعني الانفتاح على كل الاخوة العرب، وأولهم سورية، والمشرق الذي يذكره البطريرك فقط كلما تذكر اسم كرسيه البطريركي، فيما يعتبر أن ابرشيات دمشق وحلب واللاذقية والقدس والاردن هي من ضمن ابرشيات الاغتراب.

مفهوم الحياد في المنطقة والعالم

الحياد يعني أن لا تنخرط في محاور تتصارع فيما بينها. والحياد الإيجابي يعني أن تكون على علاقة جيدة مع كل الاطراف المتصارعة. والبطريرك أكد في أكثر من توضيح، أن ذلك لا يعني الحياد في مسألة حق الشعب الفلسطيني في أرضه ومقاومته للاحتلال. فلنثبت هذه التوضيحات، ولنعتبر أن البطريرك لا يدعو الى السلام أو التطبيع مع العدو، بدون حل عادل للمسألة الفلسطينية، على حد توضيحاته.

يبقى أن الحياد الإيجابي في المنطقة، يعني أن لا ينخرط لبنان في أية محاور أو صراعات فيما بين الدول العربية، أو صراعات في الاقليم الاوسع، أو اية محاور دولية ناشئة، وأن يبقى على علاقة جيدة معها، ويستفيد من هذه العلاقات لما فيه مصلحة الشعب اللبناني العليا.

وهذا يعني، أن لبنان، بحكم الحياد الإيجابي، يجب أن يبقى على علاقة جيدة مع كافة الدول العربية، ولا ينفذ أي حصار أو مقاطعة عربية او دولية على اي دولة عربية، من السعودية الى مصر الى العراق وسورية. وبالتالي فإن الحياد الإيجابي في لبنان يستوجب الاعتذار من اميركا عن تنفيذ قانون قيصر، مثلاً، وعن المشاركة في الحصار على سورية، كما يفترض عدم الإنحياز لأي من المحاور العربية أو الاقليمية الموجودة. فدعوة غبطته الى ترميم العلاقة مع الإخوة العرب لا يجب ان تعني حصراً دول الخليج، التي هي في محور متحالف مع الغرب ومتصالح تدريجياً مع اسرائيل، مع دول حوض البحر الأحمر العربية الاخرى، وضد عدد من الدول الأخرى، المتحالفة مع تركيا أو ايران أو روسيا أو حتى الصين. فالحياد الايجابي يعني بالتالي أن يبقى لبنان على مسافة واحدة وعلاقة جيدة مع دول المحيط الأوسع، من ايران الى تركيا، ومن محور المقاومة الى محور الاعتدال.

كما يعني أن يكون على مسافة واحدة وعلاقة جيدة مع المحاور الدولية الناشئة، وبالتالي الحفاظ على التوازن في العلاقات السياسية والاقتصادية مع الغرب ومع الشرق. وهذا يشمل العلاقات التجارية والاقتصادية والعلمية والثقافية والدفاعية وغيرها. وعندما يكون البطريرك وداعموه منحازين بالكامل الى الغرب وحلفائه في المنطقة، ومقاطعين بالكامل للشرق البعيد والقريب، فهذا ليس حياداً وليس ايجابياً.

الفساد والنظام: حماية أم تغيير

وفي معرض مخاطبته للشعب، يعدد لهم مجموعة مسائل لا يجوز السكوت عنها، من تعدد الولاءات الى الفساد وسرقة أموال الشعب والخيارات الخاطئة والانحياز وفوضى تحقيق انفجار المرفأ وتسييس القضاء والسلاح غير الشرعي وسجن الأبرياء وإطلاق المذنبين، ولا السكوت عن التوطين الفلسطيني ودمج النازحين ومصادرة القرار الوطني والانقلاب على الدولة والنظام وعن عدم تأليف الحكومة وعدم إجراء الاصلاحات، ولا عن نسيان الشهداء... ويلٌ لمَن ينسى شهداءه ويُقايض عليهم.

لا شك أن العديد من هذه المطالب محقة ولا يجوز السكوت عنها، وأن الطبقة السياسية فشلت فشلاً ذريعاً في معالجة كل هذه الملفات، سواء المستجد منها مثل التحقيق والسجن وتأليف الحكومة، أم المزمنة منها مثل الفساد وسرقة الاموال وتسييس القضاء والسلاح والتوطين والاصلاحات.

ولكن هل كانت مواقف البطريرك منسجمة دائماً مع هذه الدعوة؟ ألم يرسم هو خطاً أحمر حول حاكم المصرف المركزي، الذي كان دوره محورياً في كل السياسات المالية والضرائبية وفي ادارة الدين العام وسعر الصرف وتمويل المشاريع الحكومية المشبوهة وغيرها، وكل الكوارث التي حلت بالمواطن وودائعه وقدرته الشرائية؟ وهل تقف معركة مكافحة الفساد عند حدود الدفاع عن موظفي الطائفة؟ أليس هذا ما أدى الى حماية الفساد والفاسدين؟

ومن سخرية القدر أيضاً، أن يطالب البطريرك بحماية الدولة والنظام، في وقت يهتف جمهوره «الشعب يريد اسقاط النظام»!

أما موضوع الشهداء فهو من المسائل الخلافية الاخرى الكبيرة في لبنان. فهل عنى غبطته كل الذين سقطوا في الحرب، أو بعدها، من كل الاطراف؟ أم أنه يعني شهداء معينين من طائفة معينة أو خط سياسي معين. واضح أن الجمهور الذي ردد «بشير حي فينا» لا تستسيغه الدعوة الى عدم نسيان شهداء من الخط الآخر، من كمال جنبلاط ورشيد كرامي وطوني فرنجية وداني شمعون، وصولاً الى قادة المقاومة وشهدائها.

عكس السير في السياسة الدولية

ربما كان لخطاب البطريرك وقع أكبر على لبنان والمجتمع الدولي لو كان بقي ترامب رئيساً لأميركا، واستمر بتعويم حلفائه من «الاخوة العرب»، وباعتماد سياسة الضغط الاقصى ضد ايران، وبتشديد ضغط الحصار والتضييق والمواجهة مع ايران وحلفائها في المنطقة، وصولاً الى حزب الله في لبنان.

لكن فوز بايدن، وعمله لتغيير توجيه السياسة الأميركية في المنطقة، من إعادة التفاوض مع ايران، الى تقليم اظافر السعودية، وغير ذلك من التطورات الجيوسياسية الحاصلة، خاصة في آسيا والشرق الأوسط، وتأثر لبنان بها بشكل مباشر. كل ذلك جعل دعوة البطريرك تسير عكس السير نسبة للسياسات الدولية.

فالدعوة الى مؤتمر دولي وإملاء القرارات التي يجب أن يتخذها سلفاً، يعطي انطباعاً بفائض للقوة والثقة غير واقعي وفي غير محله. ومن الأدلة الساطعة على ما نقوله، برغم الدعم الذي يلقاه البطريرك من الفاتيكان، هو تصريح نائبة المنسق الخاص للأمم المتحدة في ​لبنان​ نجاة رشدي، التي قالت إنّها اوضحت للبطريرك انّ «قرار المؤتمر الدولي لا يعتمد فقط على الامم المتحدة بل على اطراف دوليّة تكون مستعدّة للمشاركة، وعلى تحرّك وقبول على الصعيد الداخلي اللبناني». مؤكّدة انّه «لا يمكن للامم المتحدة ان تتولّى دور اللاعبين السياسيين اللبنانيين، أو ان تحلّ محلّ الدولة»، ومضيفة : «لن يكون هناك مؤتمر دولي فقط لأنّ البطريرك طلب ذلك وحيداً أو لأنّ الأمم المتحدة قرّرت».

فهل هناك دول مستعدّة للمشاركة في هكذا مؤتمر، وتبني مقولات البطريرك، في غياب اجماع وطني عليها، وفرضها على الشعب اللبناني، لرسم مستقبل يعجب غبطته وبعض زواره الدائمين من بقايا 14 اذار وبعض الاحزاب التي قدمت دعما مشروطاً لسحب البساط من تحت رئيس الجمهورية وتياره، وعادت بعد يومين تستخدم هذه الدعوة لتسويق مطالبها، سواء بالانتخابات المبكرة أو بحكومة اختصاصيين برئاسة الحريري؟

والبطريرك الداعي الى حياد لبنان في الاقليم وفي العالم، كان أكثر مصداقية لو كانت مواقفه حيادية في الداخل بين الاطراف المسيحية أولاً، فلا يسمح بمضي الجمهور بالمطالبة برحيل رئيس الجمهورية، وبين الاطراف الوطنية ثانياً، فيوضح أنه غير موافق على هتافات «حزب الله ارهابي». وهل الاصطفاف الداخلي مع أفرقاء ضد آخرين، وتبني وجهة نظر جزء من اللبنانيين، والدعوة الى مؤتمر دولي لفرض وجهة النظر هذه، على المعترضين عليها والمختلفين معها، بقوة القرارات الدولية، هو منطلق جيد لمنطق الحوار والحياد؟

بالأمس حاول تقريب وجهات النظر بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وفشل كما فشل غيره، بسبب خلافات محلية وحجج حول تعقيدات السياسة الاقليمية والدولية. وقال أنه يدعو الى مؤتمر دولي بسبب فشل الطبقة السياسية في انتاج الحلول. فلو نجحت مساعيه وتشكلت الحكومة، لما كان هناك ضرورة لدعوته لمؤتمر دولي. واذا كانت التعقيدات الاقليمية والدولية، من أميركا حتى ايران والسعودية، قد افشلت تشكيل حكومة، منذ اطلاق المبادرة الفرنسية وحتى اليوم، برغم كل ضغوط الرئيس الفرنسي، فهذا يعني أن هذه التعقيدات ستكون حاضرة لإفشال أي مؤتمر دولي لا اجماع لبنانياً حوله، وسيكون مسرحاً لتظهير الخلافات الدولية والمزيد من الشرذمة.

كما أن المؤتمر الدولي من أجل لبنان يحتاج الى موافقة الدول الكبرى في مجلس الأمن، بما فيها الصين وروسيا. فإن كان الذهاب الى المؤتمر هو لحسم خلافات لبنانية غير متوافق على حلول لها، وفرض رأي أطراف على أطراف أخرى، فإن حلفاء هذه الأطراف سيعطلون المؤتمر باستخدام فيتوياتهم المزدوجة كما حصل عدة مرات في الأزمة في الشام. فبين التغيّر في السياسة الأميركية في المنطقة، والتباين بين الدول الغربية، خاصة أميركا وفرنسا، والضغط الأميركي على السعودية ومحاولة اسرائيل التوسط لحمايتها، والعودة الى المفاوضات حول الاتفاق النووي الايراني وملحقاته، وتزايد التشنج في العلاقات بين الغرب والشرق، وخاصة أميركا مع الصين وروسيا... تأتي الدعوة لمؤتمر دولي من أجل لبنان خطوة في الاتجاه المعاكس للوضع الدولي، حتى لو صدق اصحاب نظرية المؤامرة.

عدا عن أن من سيحضر هكذا مؤتمر هم القوى السياسية الاقطاعية الفاسدة التي افلست البلد ونهبت ثروات الناس. وهذا بحد ذاته تعويماً لها واعادة تدوير.

وقد يكون من نتائج هذا التصعيد في الموقف، والتهديد بالتدويل، هو تسريع تشكيل ما يسمى حكومة المهمة برئاسة سعد الحريري، مع بعض الاختصاصيين الذين يمثلون الاحزاب القابلة للمشاركة، مع تخفيض للسقوف المتبادلة بين الرئاستين الأولى والثالثة.

أما موضوع الحياد، فهو موضوع خاضع للحوار الوطني للوصول الى تحديدات مشتركة تعبر عن مصالح الشعب اللبناني العليا، وليس وجهة نظر أحادية مبنية على قراءة تاريخية احادية لماهية وعلّة وجود الكيان اللبناني، تفرض على بقية الشعب من خلال مؤتمر دولي، خاصة بغياب حسم نفوذ أحادي لجهة دولية تستطيع فرض هكذا مؤتمر. فبعد الحرب في الشام وعدم التمكن من اسقاط النظام، لأسباب عديدة، أصبحت الشام ولبنان والعراق مناطق نفوذ مشترك اقليمي ودولي، وليست كما دول الخليج ودول حوض البحر الأحمر، حيث اليد العليا في النفوذ الدولي هو لأميركا حصراً.