زيارة تاريخية قام بها البابا فرنسيس الأول لها دلالات متعددة وكثيرة، لكن أهم ما فيها انها أتت في ظل ظروفٍ صعبة أمنية وسياسية واقتصادية غلفت وجه الكرة الأرضية بتداعيات إقتصادية وحولت العالم من عالم منتج الى عالم مفلس تراجع فيه الوضع الإقتصادي الى درجة أن ميزانية دول كبرى لم تستطع الصمود أمام هذه الكارثة البيئية العالمية عدا عدد الوفيات الذي تجاوز المليونين وعدد الإصابات التي لم تخف وتيرتها حتى هذه الساعة لا بل هي في ازدياد مستمر يوما بعد يوم.

كل تلك المخاوف لم تمنع بابا الفاتيكان من زيارة له الى أرض العراق التي تواجه الكثير من الصعوبات أقلها عصابات داعش وأخواتها التي خرجت منها بفعل ضربات العديد من القوى التي اجتمعت تحت راية الحشد الشعبي وهي تمثل كل المكونات الشعبية والعشائرية تحت راية واحدة وعنوان واحد هو محاربة داعش واخواتها.

ومهما كثر الكلام عن زيارة بابا الفاتيكان الى العراق فهي مهمة إذ يعتبر البابا سفير العالم لدى المرجعية الكاثوليكية لما يمثل من مجتمع له إنتشارٌ عالمي على كل المعمورة بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط ومحيطه حيث الخوف من تراجع هذا التواجد خاصة في السنوات الأخيرة الماضية إثر الضربات والهجمات التدميرية لعدد من الكنائس وبيوت العبادة وآثار العديد من المدن التي هي مركز للمصلين المسيحيين، وعلى مقربة من مهد السيد المسيح في فلسطين وبيت لحم، فالزيارة رسالة واضحة لمسيحيي المنطقة وبلاد الرافدين وهي تؤكد على العيش المشترك في المنطقة وعلى أهمية هذا العيش والتماسك والدافع عنه في ظل جبهةٍ واحدةٍ موحدة بوجه القوى التكفيرية التي تعتبر من أخطر المراحل التي كانت كفيلةً بمسح إيديولوجي وجيوسياسي في آنٍ معاً وجزءٌ كبيرٌ من تلك المكونات لولا جبهة الدفاع الواحد التي دمرت ذلك العدوان وجعلته يندثر الى غير رجعة في كل بقعة من بقاع العالم.

ولعل زيارة البابا للسيد علي السيستاني في مدينة النجف الأشرف وهي المرجعية الشيعية في النجف والعالم تُعتبرُ الأهم على مختلف الصعد ، وهذا ان دلَّ على شيء فإنه يدلُ على أهمية هذا اللقاء ، فهو يعتبر أنه قائمٌ على مرحلة جديدة في الإقليم بوجه العزلة العالمية لمفهوم التعايش والترابط بين المكونات الدينية الوحداوية والتي تقوم على مبدأ التعايش وإحترام الآخر ونبذ كل المفاهيم الرسالية لجماعاتٍ عششت داخلها وحولها منظومات سياسيةٌ تحملُ طابع الفوبيا الإسلامية ولكنها بعيدة كل البعد عن الاسلام والمسيحية وهي تريد المزيد من الإنشقاق وتستغل المزيد من الحروب في المنطقة التي كانت قد أشعلت من أجل الخوف والخوف المتبادل والتي على أساسها قامت الحروب التدميرية والفوضى في المنطقة ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط ضمن برامج تكتيكية تخريبية يراد منها السيطرة والخوف في العالم لشعوب تُقفلُ على نفسها وتخافُ مِن مَن حولها من جارٍ أو قريب والخوف ينتابُ الجميع من حرب وقودها الناس والحجارة.

ويواجه المسيحيون في الدول العربية والإقليمية تحديات خطيرة لذا ركزّ البابا فرنسيس على العراقيين كافة دون استثناء ودعاهم إلى السلام و«صمت الأسلحة».

زيارة الحبر الأعظم إلى العراق في هذا الوقت، تأتي في ظل ظروف صعبة وقاسية على كل المستويات السياسية والإقتصادية والأمنية والصحية بعد غزو جائحة كورونا العالم بأسره وتندرجُ في سياق موقف الفاتيكان الذي يدعم المصالحة والمساواة بين كل الشعوب، وهو ما يركّز عليه الفاتيكان على الدوام.

لم تكن الطائفة المسيحية يوماً من الأيام تابعةً لأي طائفةٍ أخرى، هي كيانٌ مستقل، ومن المجحف أن يتعامل ضعاف النفوس معها بهذه الطريقة الغير عادلة ومحقة.