ضاعت الطاسة وفقدت الليرة قيمتها! ووحده المواطن كبش المحرقة

احتجاجات تتفاقم الى ما لا نهاية تغذيها حالة غضب شعبي كبير بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد، دفعت المتظاهرون الى اغلاق طرقاً رئيسية في مناطق لبنانية عديدة.

وكانت الاحتجاجات قد بدأت يوم الثلاثاء الماضي بعد هبوط قيمة العملة إلى مستوى قياسي جديد، ما زاد من غضب المواطنين القلقين منذ فترة طويلة بسبب الانهيار المالي. فارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء إلى مستويات قياسية، دفع اللبنانيين إلى الشوارع، احتجاجاً على تدهور الوضع المعيشي، وقطعت الطرقات في مختلف المناطق اللبنانية مع تخطي سعر الدولار عتبة 10 آلاف ليرة لبنانية في أدنى مستوى لقيمة الليرة في تاريخ لبنان.

وأطاحت أزمة لبنان المالية، التي انفجرت في 2019، بالوظائف، وزادت القلق تزايد الجوع، ومنعت المودعين من الوصول إلى أموالهم في البنوك. وكان انهيار الليرة اللبنانية، التي هوت يوم الثلاثاء إلى عشرة آلاف ليرة مقابل الدولار، بمثابة القشة الأخيرة بالنسبة لكثيرين شهدوا ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية مثل حفاضات الأطفال والحبوب إلى نحو ثلاثة أمثالها منذ بدء الأزمة.

وفي ظل هذا الوضع الكارثي والاحتجاجات الشعبية  طالب الرئيس اللبناني ميشال عون مصرف لبنان  بالتحقيق في أسباب ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة اللبنانية إلى مستويات قياسية في السوق السوداء بلغت 10 آلاف ليرة للدولار الواحد، ما دفع اللبنانيين إلى الشارع احتجاجاً على تدهور قيمة رواتبهم وغلاء المعيشة، وسط شكوك بمضاربة في السوق قامت بها المصارف لتوفير السيولة اللازمة لزيادة رأسمالها، تنفيذاً لتعميم المصرف «المركزي»، وهو ما نفته جمعية المصارف، مؤكدة أن لا دور لها في ارتفاع سعر صرف الدولار.

هذا وكان قد التقى الرئيس عون حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في قصر بعبدا، وطالبه بمعرفة الأسباب التي أدت إلى ارتفاع سعر الدولار إلى هذه المستويات لا سيما في الأيام القليلة الماضية، و»اطلاع اللبنانيين، تأميناً للشفافية، على نتائج التحقيق الذي تجريه هيئة التحقيق الخاصة». كما طالبه «بإحالة هذه النتائج إلى النيابة العامة ليصار إلى ملاحقة المتورطين، في حال ثبت وجود عمليات مضاربة غير مشروعة على العملة الوطنية، من جانب أفراد أو مؤسسات أو مصارف».

هذا وأكد الرئيس عون على أن حق التظاهر مقدس، ومن واجبات القوى الأمنية حماية المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة، وضمان حق تنقل الناس، وهي حقوق مكرسة في الدستور.

ودفعت التلميحات حول دور المصارف بالمضاربة في السوق السوداء لتأمين الودائع المالية المطلوبة منها، إلى صدور بيان عن جمعية المصارف نفت فيه أي دور لها في ارتفاع سعر الصرف بالسوق السوداء. وقالت جمعية المصارف في بيان إن»متطّلبات السيولة المصرفية في الخارج من قبل مصرف لبنان وفق التعميم 154 تتعدّى 3.4 مليار دولار على مستوى القطاع، فهل يُعقل أن تجتذبها المصارف من السوق السوداء المحلّية التي لا يتجاوز حجمها بعض الملايين من الدولارات؟».

ورأت أن الأسباب الكامنة وراء ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء تعود إلى «الضبابيّة السياسية في البلاد في ظلّ التخبّط السياسي والتجاذبات والمناكفات في غياب أي جهد جدّي وحقيقي لتأليف الحكومة»، و»الاستيراد غير المدعوم من مصرف لبنان والذي تقدّر قيمته بما لا يقلّ عن 5 مليارات دولار سنوياً بحيث يلجأ المستوردون إلى السوق السوداء لتأمين الدولارات النقدية المطلوبة».

وأوضحت المصارف أنها «تعتمد في الحصول على السيولة الخارجية على بيع وحداتها في الخارج وعلى خصم قروضها بالدولار، إضافة إلى مساهمات نقدية من مستثمرين ومودعين، مؤكدة أنه «لا حاجة للّجوء إلى السوق الموازية في لبنان».

من جهته، مجلس المطارنة الموارنة الذي عقد جلسته الشهرية في بكركي، برئاسة البطريرك بشارة الراعي، اعتبر ان الاعتراضات الشعبية دليل فشل السلطة وتمنعها من اجراء الإصلاح، مؤيدين تحرك بكركي السبت الماضي، الذي ان دل على شيء، فعلى أحقية ما ذهب اليه البطريرك الراعي.

وفي سياق متصل، اشار مصدر مصرفي متابع لجريدة «الديار» ان وضع 6 سنتات على تعرفة اتصالات «الواتس آب»، ولّد انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، والآن مع ارتفاع سعر الدولار من 1515 ليرة، في ذلك الوقت الى 10 آلاف ليرة اليوم، تجددت الانتفاضة على نحو أشد، متجاوزة الكورونا والانقسامات الطائفية والمذهبية.

ويرد أحد الخبراء الماليين الصعود السريع للدولار في لبنان الى عاملين: نفسي وتقني، الأول مرتبط بالسياسة العامة والآخر بالسياسة المالية.

بيد ان المصدر المصرفي المتابع يستبعد ان يستمر الدولار بتخطي حاجز العشرة آلاف ليرة لأنه في تلك الحالة، يصبح خارج السيطرة، ويذهب بنا الى حالة فنزويلا وغيرها من الدول المغضوبة أميركيا.

أما عن احتمالات تراجع سعر الدولار، فيقول المصدر، هناك طريقان: طريق تشكيل الحكومة الذي من شأنه تأمين هبوط منظم للدولار حيال الليرة، و»العصيان المدني» اي التزام البيوت لا الشوارع، وتعطيل الأعمال والوظائف، دفعاً لتشكيل الحكومة، وتذكير حيتان المال وذئاب السياسة بأنه ليس للأكفان جيوباً.

من جهته يقول الخبير الاقتصادي باتريك مارديني للديار : «ان ارتفاع الدولار هو استكمال لمسيرة بدأت منذ اكثر من عام ولكن طبعاً ازدادت سرعة وتيرة الارتفاع خلال الاسبوع الماضي وذلك بسبب ثلاث عوامل: اولاً سعر الصرف المعوِّم في مقابل السوق السوداء فرسمياً الدولار لا يزال على الـ 1500 ولكن لم يتم الاعتراف بذلك بعد وفعلياً ان تدخل المصرف المركزي لوضع الدولار في السوق هي سياسة غير ناجعة تؤدي الى تدهور مستمر في سعر الصرف! فطباعة الليرة اللبنانية بشكل مستمر لتمويل عجز الموازنة أمر غير مقبول ولكن المصرف المركزي لا يملك إستقلالية عن السلطة السياسية وبالتالي كلما زاد طباعة الليرة كلما ارتفع سعر الدولار ولانه لا يملك استقلالية عن السلطات السياسية فهو مجبور بطبع ليرة!» وأضاف : «العامل الثاني انه لم يعد هناك ثقة بالليرة في بلد مثل لبنان، وعدم الثقة هذه تجعل الناس يتخلصون من الليرة فاما يشترون فيها بضاعة من السوبرماركات او يحولونها الى دولار وهذا الهروب من الليرة يؤدي الى ارتفاع سعر الدولار. اما العامل الثالث فهو النمو السلبي ناقص 19.4% على حسابات البنك الدولي و 25% في صندوق النقد، وبالتالي زيادة حجم الليرة في السوق تجعل الناس والشعب لا يريد ان يحملها والاقتصاد يصغر ويضعف ويتدهور... وكلما قام الناس بتحويل الليرة اللبنانية الى دولار يزيد الطلب على الدولار.

وعن السبب الاساسي وراء سرعة وتيرة ارتفاع الدولار في المرحلة الراهنة أوضح مارديني الامر بالقول : «ما سرّع وتيرة ارتفاع سعر الدولار في الفترة الاخيرة هو تعميم مصرف لبنان اعطاءه مهلة للمصارف ليزيدوا ودائعهم مع المصارف المراسلة  اي المصارف التي يتعاملون معها خارج لبنان لان الخطورة ازدادت لتخلفهم عن دفع اليوروبوند. والمصرف المركزي ليس قادراً ان يرد الاموال بالدولار وهذا ما جعل المخاطر تزداد على المصارف اللبنانية، وكي لا تتوقف المصارف الخارجية من التعاون معهم كان عليهم زيادة ودائعهم من هذه المصارف المراسلة ولزيادة الودائع يحتاجون طبعاً لـ «fresh» دولار فقام جزء من المصارف ببيع فروعهم خارج لبنان والجزء الاخر قاموا بتجميع الدولار من الاسواق! وهذا ما جعل سعر الدولار يرتفع بشكل جنوني. فلو كانت الدولة و مصرف لبنان يردون للمصارف الدولار لما كانت المصارف تضطر لشراء الدولار في السوق السوداء وبالتالي لا ما ارتفع سعر الدولار بهذه السرعة».

وفي نهاية حديثنا مع الخبير الاقتصادي كان لا بد أن نسأله عن حلول لهذه الازمة الخانقة فاجاب : «لبنان على شفير ان يتحول لدولة فاشلة بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وهذا التضخم المفرط الذي نشهده، وبالتالي الحل الوحيد في الدول الفاشلة هو الـ currency board اي مجلس النقد الذي يقوم بفصل الليرة اللبنانية عن الوضع الداخلي في لبنان سواء السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي. وبذلك يربط سعر صرف الليرة بالدولار فتصبح الليرة نسخة طبق الاصل عن الدولار. فمثلا يعتمدون سعر صرف 5 الاف للدولار الواحد وعندها مهما حصل من مشاكل وخضات وازمات في البلد تعرف المصارف أن مقابل كل دولار لديها ٥ الاف ليرة فتكون الليرة قد حيدت عن الوضع السياسي التعيس. وهذا الحل الوحيد لبلد يعاني من عدم استقرار ولكن لا ادري كم من الوقت سيحتاجون بعد لأخذ القرار واعتماد هذا الحل وفي انتظار ذلك لا نعلم الى اين سنصل!