لم تغن المعايدات وعبارات الشكر والامتنان، للمعلمين ولجهودهم الجبارة في تربية وتعليم الاجيال، عن جوع أو عوز، ولم تعد للأساتذة حقوقهم المهدورة، ولم تعوّض عليهم عزة النفس التي خسروها جرّاء معاملة بعض المدارس والجامعات السيئة لهم. فبغض النظر عن مدى فعالية الخطوة التي قام بها وزير التربية في حكومة تصريف الاعمال طارق المجذوب الذي أعلن يوم الاثنين الماضي تعليق الدروس لمدة أسبوع تضامناً مع مطالب الاسرة التربوية التي قررت وقف التعليم عن بعد من 8 آذار الى 14 آذار كخطوة أولى، أي التوقف الكلي عن التدريس لمدة أسبوع، تبقى قضية الاساتذة في لبنان وحقوقهم مشروعة، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الرديئة التي يمرّ بها لبنان.

»قرار الاساتذة جاء نتيجة طفح الكيل»، على حدّ تعبير أستاذ إحدى المدارس الخاصة الذي فضّل عدم ذكر اسمه خوفا من «تهديدات الادارة التي تمعن في قمع الاساتذة وهدر حقوقهم على حساب ارضاء الاهل والطلاب خوفاً من فقدان عدد منهم، وبالتالي تكّبد خسائر مالية».

يصف «م. ش.» المعاناة التي يعانيها الأساتذة في ظلّ التعلّم عن بعد والتعليم المدمج ويقول لـ«الديار»: «يعيش الطلاب في صيف دراسي، حيث اعتادوا عدداً ضئيلاً من الدروس في الوقت الذي تأخرت فيه المناهج ولم يأخذ الطلاب الحصص المطلوبة ما جعل ابن الصف الرابع عاجزا عن كتابة اسمه بشكل صحيح! وأي محاولة من قبل الاساتذة لتعويض ما فات الطالب في هذين العامين تقابلها شكاوى من الأهالي على الاستاذ واتهامات بتحميل الطلاب أكثر من قدرتهم وضغطهم نفسياً! في الوقت الذي يخشى الأساتذة ما سيكون بانتظار الطلاب في العام المقبل بعد فتح المدارس وعودة المناهج إلى وضعها الطبيعي، فكيف سيتم التعويض للطلاب على ما فاتهم من دروس وتحصيل علمي؟».

ويكشف المعلّم عن «تعرّض الاساتذة إلى ضغوطات من قبل الادارة للتساهل مع الطلاب في المسابقات وإنجاح الجميع، خوفاً من خسارة أي طالب، فيما يعمل الأستاذ الواحد لأكثر من 14 ساعة في اليوم مضطراً الى تلقي اتصالات الطلاب وأهاليهم بعد ساعات التدريس، دون ذكر التأخّر في دفع الرواتب وأجور المعلّمين لأكثر من 3 و7 أشهر إلى جانب حرمهم من المخصصات، من أجرة المواصلات وتكلفة الانترنت وأعطال الكومبيوتر، وعدم التعويض عليهم في أيام التدريس الاضافي»، معتبرا أنّ «التعليم في لبنان أصبح تجارة، فلا احد يبالي بحقوق الاساتذة ولا بصحتهم النفسية او الجسدية حتى، حيث لم يحصل الأساتذة على حقّهم في تلقي اللقاح بالرغم من اعطائهم صفوفاً في المدارس بفضل التعليم المدمج ما يعرضهم وحياة الطلاب الذين يحتكون بهم إلى الخطر».

ويشكو «م. ش.»، من «تغيير قرارات الادارة في اليوم الواحد لأكثر من مرة بما يتعلّق بمواعيد المسابقات، ومكان عقدها والتأخر في اعلام الاساتذة بالقرارات الجديدة، إذ يتم أحيانا التواصل معهم في ساعات متاخرة من الليل، إلى جانب حرمان عدد كبير منهم من حق التثبيت»، متابعا «كما أننا نواجه مشكلة مع تدني المستوى الاخلاقي للطلاب حيث يتوجهون بالشتائم إلى الاساتذة، ويخالفون تعليمات الاستاذ ويتعرضون له بألفاظ نابية»، خاتما «إنها حقا عصفورية!».

يبدو أن لوباء كورونا أضراراً لم تكن في الحسبان، فبعد أن غيّر نمط حياتنا بشكل جذري من الناحية الصحية والوقائية والاستهلاكية، خضّت كورونا النظام التعليمي وأربكته، محمّلة أعباء جديدة على أكتاف الاساتذة المنهوكين في الاساس والمسلوبة حقوقهم. وبانتظار أن تعود الحياة إلى طبيعتها، فيعود معها الطلاب إلى مقاعد الدراسة، «عصفورية» تدار بالفوضى والقرارات العشوائية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما المنحى الجديد الذي سيسلكه التعليم في لبنان؟ وهل من إمكانية أن يعود التعليم الى سابق عهده أو أنّ مخلفات كورونا النفسية والاخلاقية ستترك أثرها فتبدّل بالتالي وجه التعليم إلى الابد؟