فيما ترتفع نسبة هجرة الأدمغة هرباً من بلد قد لا يحقق لهم طموحاتهم، يتمسّك البعض من الشباب اللبناني بوطنهم ويسعى إلى الابتكار والتميّز. من بين مشاريع عديدة، «إنلايت سوليوشنز» - «Enlight Solutions»، هو احد المشاريع التي أراد ثلاثة شباب تطبيقه ليفيدوا مجتمعهم، مصممين على البقاء في وطنهم. على ماذا يرتكز هذا المشروع؟ مَن يدعم مشاريع ابتكارية كهذا؟ وهل يشكلّ الإبتكار رافعة جديدة للاقتصاد لا سيما في هذه الظروف؟

«إنلايت سوليوشنز» مشروع إبتكاري يرتكز على تقديم أفضل حلول للإضاءة من خلال التصنيع، إعادة إستخدام وإعادة تدوير أي مصدر للطاقة من مصباح، قنديل، وفانوس قديم. وفي السياق، يقول الرئيس التنفيذي المهندس هادي باسيل «إنطلق المشروع من خلال أبرز المشاكل التي يعانيها المواطن على صعيد الإنارة، كمشاكل تقنية في الكهرباء ما ينعكس على مدى استدامة الضوء خصوصاً نظام الـ«LED». لذا، هدف هذا الإبتكار يرتكز على تأمين إنارة فعّالة، تدوم أكثر من 10 سنوات حتى تبدأ بفقدان 20 % من قوّتها. كذلك والأهم، كيفية تصنيع هذه الإنارة من خلال التدوير وإعادة الإستخدام، يوفر 70 % من الطاقة». من هذا المنطلق، يؤكد باسيل «أننا أعدنا استخدام 246 مصباحاً حتى اللحظة ما يوازي توفير أكثر من75,217 كيلووات من الطاقة خلال سنة وتخفيض طُنَين من النفايات».

لإنارة البلديّة أيضاً حصّة! 

على المقلب الآخر، بما أن عواميد الكهرباء تبعد 50 متراً عن بعضها بعضاً في مختلف الشوارع، يوضح باسيل «أننا صنّعنا ضوءاً يغطي هذه المساحة. وبما أن إنارة الطرقات تُفعّل أحياناً في وضح النهار، صنّعنا تطبيقاً ذكياً للضوء «Smart»، يرتكز على إضاءة الشارع فقط عندما تمر سيارة أو أحد المارة ويخفّ الضوء تلقائياً بعد عشرين ثانية. كما يلتقط جهاز الاستشعار السيارة أو الفرد على بُعد 20 متراً. وبهذه الخطوة نكون قد وفّرنا 70% من الكهرباء».

إضافةً إلى ذلك، يحرص المهندسون على اختيار لون الضوء المناسب لعدم تعرض صحة الأفراد للخطر تارة وحفاظاً على البيئة طوراً. إذ يستخلص تقرير صدر مؤخراً عن مجلس العلوم والصحة العامة التابع للجمعية الطبية الأميركية (AMA) أن «التعرض للضوء الأبيض الغني باللون الأزرق في الليل، يرفع مخاطر الإصابة بالسرطان والسكري وأمراض القلب».

 الهدف؟ البقاء في لبنان 

يتابع باسيل مشيراً إلى أن «الفكرة انطلقت منذ سنتين إلاّ أننا بدأنا بتطويرها مُنذ فترة. ومن مؤسسي هذا الابتكار أيضاً المهندس جوزف باسيل وهو الرئيس التنفيذي للعمليات، والمهندسة ساره الخوري بدران وهي الرئيسة التنفيذية المالية. تلقينا المساعدة من عدّة أطراف؛ مؤسسة «بريتيك»، الأفراد الذين وثقوا بأنه يمكننا التغيير في مجتمعنا، وطبعاً دعم الأهل كان له الفضل الأكبر بمثابرتنا». ويختم باسيل لافتاً إلى أن «هدفنا بسيط: البقاء في لبنان، خلق فرص عمل للبنانيين والتضامن لبناء وطن أفضل».

 دُعم 160مشروعاً ابتكارياً عام 2020! 

«بريتيك» مؤسسة في لبنان توفر بيئة متكاملة للمبتكرين لإنشاء وتطوير شركاتهم الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة. وتقول مديرة الإتصالات والتوعية في «بريتيك»، رينا ديب، في حديث لـ «الديار»، انه «تم دعم 160 مشروعاً ابتكارياً من خلال برامجنا ومسابقاتنا في عام 2020»، مشيرة إلى أن «الجامعات تؤدي دوراً أساسياً في دعم أنشطة الإبتكار. لذا، تعمل «بريتيك» مع عدة جامعات لدفع الطلاب إلى تطوير تفكيرهم الريادي. ومن هنا، هدفنا المساعدة لخلق فرص عمل في لبنان وتقليل هجرة الأدمغة».

وفي صدد الأزمات التي تعصف لبنان، لم تتوقف «بريتيك» عن دعمها، إذ انتقلت إلى الجلسات التدريبيّة والإرشاديّة عبر المنصات الرقمية. وتشير ديب إلى أنه «تمّت مساعدة المبتكرين على كيفية إدارة الأزمات. وعملنا مؤخراً مع مختلف المانحين لتوفير أنواع مختلفة من التدريب والقروض لمساعدتهم على التعامل مع الوضع الحالي».

مجال الإبتكار... رافعة جديدة للإقتصاد؟ 

من بين أهداف التنمية المستدامة التي تعمل الأمم المتحدة عليها في لبنان هي الصناعة وتشجيع الإبتكار. بما أنها تعتبر «أن التصنيع والإبتكار، هما بمنزلة إطلاق العنان للقوى الإقتصادية الديناميكية والتنافسية التي تولد فرص العمل والدخل، وتؤدي دوراً رئيسياً في إدخال وتعزيز التقنيات الجديدة، وتسهيل التجارة الدولية».

وفي هذا الإطار، تقول الصحافية والباحثة الإقتصادية فيوليت غزال البلعة لـ «الديار» إن «مجال الابتكار هو أساسي ويشكل رافعة جديدة للاقتصاد، إذ انه يتميّز الشباب اللبناني بالإبتكار، وإذا اندمجت هذه الميزة مع هدف التركيز على الإقتصاد الرقمي، الذي يشكلّ إقتصاد المستقبل، فلا حاجة للشباب بالهجرة، إذ يعملون من لبنان مع الخارج. هذه الخطوة تشكل رافعة جديدة سواء العمل داخل لبنان لإقامة مشاريع، أو العمل مع الخارج وتأمين الدولارات الطازجة للبلد. لذا، يجب التركيز على مجال الإبتكار لإستغلال منافعه بشكل إيجابي وجيّد وسريع، حتى تساعد الاقتصاد على النهوض من الإنهيار الذي يمر به».

«البطالة» و«الهجرة» كلمتان تلخّصان واقع الشباب اللبناني اليوم الذي يبحث عن مكان لتأمين مستقبله. إلاّ أن نسبة كبيرة بالمقابل تسعى، ورغم الأزمات المتعددة، للصمود والإبتكار. هذا الإبتكار هو تطوير للذات، للآخر وللمجتمع. عزيمةُ الشباب هذه، هي الخطوة الأولى والأمل الأقوى في أن الجيل الصاعد هو ربّما الذي سيبني وطناً ... سيبني لبنان مجدداً.