لا يُمكن لأي طرف داخلي أو خارجي فرضه رغماً عن السلطة إلا في حال سقوطها بالكامل


طالب سيّد بكركي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بإعلان حياد لبنان صوناً لسيادته الكاملة، وتحييداً له عن الصراعات والحروب الإقليمية والدولية.. كما نادى بعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان برعاية منظمة الأمم المتحدة من أجل إنقاذه من حالة الإنهيار الإقتصادي والسياسي والمالي، ويسعى من أجل انعقاده، سيما وأنّ السكوت لم يعد جائزاً أمام ما يتعرّض له الشعب اللبناني من مذلّة والدولة من انهيار. ويلقى هذا الطرح انقساماً سياسياً وشعبيّاً حوله، فئة تؤيّده وأخرى تُعارضه. فعلى ماذا يتمّ الخلاف تحديداً، وهل يُمكن الجمع بين الموقفين؟

مصادر سياسية مطّلعة تقول بأنّ ما وصل اليه لبنان بفعل سياسيات الحكومة على مدى الثلاثين سنة الماضية، أي ما بعد «اتفاق الطائف»، أظهر بأنّ «الطريق المسدود» غالباً ما يكون نتيجة الخلاف بين الأطراف السياسية، وبالتالي، انعكاس هذا الجمود السياسي على الوضع الداخلي. ويشهد لبنان في الأشهر الأخيرة أسوأ وضع إقتصادي ومالي ومعيشي، مع وصول نسبة 50 من الشعب اللبناني الى خطّ الفقر. وهذا الأفق المسدود يستدعي مناشدة المجتمع الدولي التدخّل من قبل المسؤولين السياسيين بهدف لمّ الشمل وتوحيد الموقف، والتوصّل الى تشكيل حكومة إنقاذية قادرة على معالجة الأزمات، فضلاً عن الإتفاق على عناوين المرحلة المقبلة، واستحقاقاتها لا سيما استحقاقي الإنتخابات النيابية في أيار من العام 2022، والرئاسية في تشرين من العام نفسه.

وتجد المصادر، بأنّ عدم ذهاب السلطة الى طلب عقد مؤتمر دولي برضاها، واستمرار انهيار الوضع الإقتصادي، والوصول الى وضع أمني متفلّت، على ما بشّر وزير الداخلية والبلديات العميد محمّد فهمي اللبنانيين، سيستدعي حتماً انعقاد هذا المؤتمر الدولي «عالسخن»، كما يُقال،أي مع انفجار الشارع أو الوضع الأمني في البلاد، وذلك من أجل وضع حدّ للإنهيار الشامل. وعندها قد لا تؤخذ مطالب السلطة السياسية بالإعتبار، فيما لو اتفقت فيما بينها بشكل مبدئي على ضرورة عقد هذا المؤتمر الدولي ليس لفرض أمور على الدولة اللبنانية إنّما لوضع الأمور على الطاولة ومناقشتها وإيجاد حلول مناسبة لها، تصبّ في مصلحة لبنان واللبنانيين بالدرجة الأولى.

فلا يجوز، بحسب رأي الفئة المؤيّدة للمؤتمر الدولي، أن يصل الشعب اللبناني الى هذا النوع من الذلّ الذي لحق به في مختلف القطاعات بفعل الإرتفاع المتمادي لسعر صرف الدولار والتدهور المخيف لقيمة الليرة اللبنانية، ووصول الحدّ الأدنى للأجور الى نحو 67 دولاراً بعد أن كان يُساوي 450 دولاراً منذ أشهر، فضلاً عن مشاهد غير مسبوقة لتسابق المواطنين في المحال التجارية على علبة حليب أو قنينة زيت أو كيس رز لإطعام أولادهم. فهذا الأمر لا يُمكن السكوت عنه بعد اليوم، كون الطبقة السياسية الحاكمة التي أثبتت فشلها الذريع في إدارة شؤون البلاد ومعالجة الأزمات، تقف متفرّجة عليه من دون أن تهزّ ساكناً أو يتحرّك ضميرها، بل تمضي في التأكيد على أنّها لن تُغيّر موقفها بفعل الإعتراضات الشعبية في الشارع، ولن يتنازل أي فريق فيها للفريق الآخر رغم كلّ المبادرات الداخلية والخارجية التي تُطرح عليها.

وتجد هذه الفئة المؤيّدة، أنّه لهذه الأسباب، وخوفاً من الوصول الى يوم، وقد بات قريباً، يقتل فيه المواطن مواطناً آخر لسرقة منه أي شيء لإطعام عائلته، وبهدف حماية الوحدة الوطنية والسلم الأهلي لا بدّ من دون السعي الى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يضع له «خارطة طريق» المرحلة المقبلة. على أن تكون نتائجه واعدة بتحسين الوضع الإقتصادي واستعادة النمو والإزدهار في البلاد وإيجاد فرص العمل للشباب وما الى ذلك.. ويقوم هذا المؤتمر إمّا على تعديل الثغرات التي أظهرها تطبيق «اتفاق الطائف»، على مدى العقود الماضية، أو التوافق على نظام جديد تتوافق عليه جميع الأطراف برعاية خارجية. وهذا المؤتمر يكون أفضل من حصول تدخّل عسكري في البلد، على غرار ما حصل في بعض الدول المجاورة..

في المقابل، أكّدت المصادر نفسها، بأنّ الفئة السياسية والشعبية الرافضة لطروحات البطريرك الراعي، ولعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان، تعتبر بأنّ التدخّل الدولي لن يصبّ لصالح البلد. فكلّ من دول الخارج، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ينظر الى مصالحه في المنطقة بالدرجة الأولى، والى مصالح الجانب الإسرائيلي بالدرجة الثانية. وتقول هذه الفئة المعارضة بأنّ الدولة اللبنانية بمؤسساتها وإداراتها لا تزال قائمة رغم الفشل الذي وصلت إليه. لكن هذا الفشل يقع على الحكومات وليس على النظام، خصوصاً وأنّه لم يتمّ تطبيق «إتفاق الطائف» الذي حظي برعاية عربية وبغطاء دولي، كما يجب.

وبرأي المصادر، إنّ عنصر القوّة الذي أنتجه حزب الله في تحرير الأراضي اللبنانية في العام 2000 (باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر)، فضلاً عن انتصاره في حرب تمّوز 2006 على العدو الإسرائيلي، ثمّ منع تسرّب التنظيمات الإرهابية الى أراضيه بعد ذلك، لا يُمكن الإستهانة به اليوم. فهذا العنصر يجعل المقاومة تجلس على طاولة المفاوضات وتكون جزءاً من التسوية الإقليمية والدولية المنتظرة. ومن دونها، كان العدو الإسرائيلي أمعن في الاستيلاء على الحقوق اللبنانية وعلى ثروة لبنان الطبيعية في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له. أمّا مسألة الاستراتيجية الدفاعية، فتجدها شأناً داخلياً لا علاقة لدول الخارج به، وقد سبق للحوار الوطني في بعبدا أن ناقشها في العهد السابق.

ومن هنا، فإنّ هذه الفئة الرافضة تجد بأنّ التدويل ضمن عنوان «حياد لبنان» يُقصد به مباشرة موضوع حزب الله، من وجهة نظرها، فقد قيل بأنّ «قرار الحرب والسلم بيد الحزب». علماً بأنّ المقاومة لم تقم منذ العام 2006 إلاّ بدور دفاعي ضدّ العدو الإسرائيلي. وتعطي أمثلة عن تدخّل دول الخارج في بعض دول المنطقة، وذهاب هذه الدول الى الأسوأ بدلاً من تحصينها كدول قادرة على إدارة نفسها بنفسها. فالناتو تدخّل في ليبيا، وحصل تدويل الدولة الليبية واقتصادها ما أدّى الى شرذمتها وحوّلها الى دولة فاشلة بالمطلق.. كذلك فإنّ التدخّلات التي جرت في سوريا، ورغم كلّ المؤتمرات الدولية التي عُقدت من أجل حلّ الأزمة فيها والمبادرات الخارجية لا تزال تعاني حتى اليوم.. ولم يتمّ التوصّل بعد الى إعادة ملايين السوريين النازحين الى دول الخارج. الأمر نفسه بالنسبة للعراق التي احتلّتها الولايات المتحدة الأميركية وأطاحت بالدولة فيها وحلّت الجيش وأسّست للإرهاب التكفيري لتدمير المنطقة.. من هنا، تدعو الفئة المعارضة للتدويل الى الحذر كون دول الغرب تنظر الى مصالحها أوّلاً ومصالح إسرائيل ثانياً.

والتخوّف الأخير من التدويل، على ما أضافت المصادر نفسها، هو أخذ التدويل الى مكان آخر، لا يريده البطريرك الراعي بطبيعة الحال، خصوصاً وأنّه تحدّث عن حقّ لبنان في الدفاع عن نفسه من الإعتداءات الإسرائيلية، وهو موضوع «التطبيع مع إسرائيل» الذي بدأته دول عربية عدّة مثل الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وتتجه أخرى الى حذو حذوها. كما أنّها تُفرّق بين النأي بالنفس الذي اتبعته الحكومات السابقة، وبين الحياد الذي يعني تطبيق القرارات الدولية لا سيما قراري مجلس الأمن الدولي 1559، و1701 لجهة نزع السلاح «غير الشرعي». وهذا الأمر يحتاج بالطبع الى نقاش داخلي حوله. لهذا، لا بدّ من استكمال المسار الدستوري القائم وتشكيل حكومة قادرة على التوافق فيما بينها.

وعن إمكانية الجمع أو التوفيق بين وجهتي النظر هذه، لفتت المصادر نفسها الى أنّه لا يُمكن لأي طرف داخلي أو خارجي، فرض عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان رغماً عن السلطة السياسية، إلاّ في حال تمكّن الشارع من إسقاطها بالكامل، وهذا الأمر مستبعد حالياً. لهذا، فالأفضل حالياً هو عقد لقاء مصالحة ومصارحة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والرئيس المكلّف سعد الحريري، على أن تنضمّ اليه فيما بعد الأحزاب السياسية الأخرى للتوافق على عناوين المرحلة المقبلة. وفي حال تعذّر هذا الامر، فقد يكون الحلّ بتسلّم قائد الجيش جوزف عون زمام الأمور وتشكيل حكومة عسكرية إنتقالية، بعيداً عن الأحزاب، تضع القانون الإنتخابي الأكثر تمثيلاً الذي يوصل ممثلي الشعب الى البرلمان الذي سينتخب بدوره رئيس الجمهورية المقبل.