عام مرّ على دخول لبنان نادي الدول المتوقفة عن الدفع، بعد اعلان الحكومة اللبنانية بشخص رئيسها المستقيل حسان دياب «تعليق» سداد سندات اليوروبوند بـ 7 آذار من عام 2020 في تخلّف عن الدفع للمرة الأولى في تاريخه، ما وضع الدولة المثقلة بالديون على مسار التخلف عن سداد ديونها السيادية في وقت تواجه فيه أزمة مالية كبرى. فما قصّة سندات اليوروبوند؟ وأين لبنان اليوم بعد الاقرار بالتعثّر المالي؟

اليوروبوند أداة دين تلجأ إليها الحكومات لتمويل مشاريعها، وتوفر عائداً جيداً للمستثمرين مقابل مخاطر مقبولة. والأسباب التي تدعو الحكومة لطرح هذا النوع من السندات تتعلّق بالحاجة الى سد متطلبات الإنفاق الحكوميأو لتمويل عجز الموازنة والميزان التجاريأو سداد ديون مستحقة. ولعلّها الأسباب التي دفعت بحكومة الشهيد رفيق الحريري إلى الشروع بالاستدانة بالدولار نتيجة الفوائد المرتفعة على الاستدانة بالليرة اللبنانية، وكون فائدة الاستدانة بالدولار أدنى، حيث عمدت في 14 تشرين الاول من العام 1994 إلى إصدار سندات خزينة بقيمة 400 مليون دولار أميركي لمدة 3 سنوات، بالرغم من التحذيرات من خطورة الإقدام على خطوة مماثلة من الرئيسين سليم الحص، وحسين الحسيني، والنائبين نجاح واكيم وزاهر الخطيب، كون الاستدانة بعملة أجنبية لا تملك الدولة اللبنانية دخلاً ثابتاً منها مخاطرة كبيرة، كما أن أي ارتفاع في قيمتها مقابل الليرة سيرفع في حجم الدين العام ويجعل الدولة عاجزة عن السداد. وهو حال الدولة اليوم بعد الشح الذي أصابها في العملات الاجنبية نتيجة تهريب كميات ضخمة من الاموال بالدولار للخارج إلى جانب العجز الكبير في ميزانية الدولة نتيجة الصرف العشوائي دون موازنات وسيطرة الصفقات وملفات الفساد والتوظيف العشوائي على الادارات العامة.

وبعد ما يقارب الـ51 إصدارا لسندات خزينة بين العام 1994 و2020 مع فائدة متوجبة، حتى العام 2036 تتغير وفقاً للمفاوضات التي تجريها الحكومات، أصبح الوضع في لبنان أكثر من سوداوي وهو ما يشرحه الخبير المالي نسيب غبريل في حديث «للديار» ويقول «وصل الدين العام حتى أواخر الـ2020 إلى الـ95 مليار و600 مليون دولار بعد أن كان 91 مليار و600 مليون دولار في أواخر عام 2019 أي ارتفع 4 مليار دولار حيث أنّ 62% من الدين العام هو سندات خزينة بالليرة اللبنانية و38% هي سندات بالعملات الأجنبيةمنها 30 مليار دولار سندات يوروبوند».

ويعتبر غبريل أنّ «القرار الذي اتخذته حكومة حسان دياب في 7 آذار كان شعبويا وسياسيا وليس إقتصاديا وماليا، تم تبريره بعذر بين سد المستحقات على اليوروبوند أو توقيف الدعم بحجة أنّ تبخّر الاحتياط على حساب الدعم، بينما في الوقع تراجع الاحتياطي للعملات الاجنبية بـ12 مليار و400 مليون دولار بين آخر شباط الـ2020 وآخر شباط 2021 ِ».

ويرى أنّ «تداعيات قرار التعثر عن الدفع جاءت كارثية على المستوى الاقتصادي حيث أدت إلى تهميش القطاع المصرفي اللبناني من النظام المصرفي العالمي (فالمصارف تحمل ما يقارب الـ 11 مليار دولار من سندات اليورو بند والمصرف المركزي 5 مليار دولار)، كما ضحت الحكومة بمصداقية لبنان بدفع مستحقاته، في الوقت الذي لم يتاخر فيه لبنان على عشرات السنوات عن دفع المستحقات، وأدى قرار التعثر الى تخفيض تصنيف لبنان الائتماني الى أدنى المستويات وتخفيض تصنيفات لبنان الائتمانية من قبل الوكالات الاوروبية التي تضمن قروض الصادرات.ومن أسوا النتائج حرمان لبنان من 500 مليون دولار قرض من الصندوق النقد الدولي لمعالجة تداعيات كورونا على الاقتصاد اللبناني حيث كان القرض مشروطا بطلب واحد أن يكون الدين العام مستداما بمعنى أن تكون الدولة تسدد دينها»، مضيفا «نحن لسنا أوّل بلد لا يستطبع دفع مستحقاته الخارجية إلا أنّ 97% من البلدان التي تعثرّت عن الدفع اتخذت قرارها بعد بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أو بعد أن توصّلت إلى اتفاق تمويلي مع صندوق النقد، وبعد أن تتواصل قبل أشهر مع حاملي هذه السندات (الدائنين) للحفاظ على الاستمررية والمصدقية».

ويتابع غبريل «كنا نملك خيار تمديد استحقاقات السندات وتخفيض الفوائد أو بدل السندات بأخرى وهو ما اقترحه المصرف المركزي، بينما أعلنت الحكومة عدم تسديد أي استحقاق قادم على لبنان أي التعثر عن دفع الـ30 مليار دولار من سندات اليوروبوند حيث كان يستحق في 9 آذار سندا بمليار و200 مليون دولار وآخر بنيسان 2020 بقيمة 600 مليون دولار وآخر بحزيران 2020 بقيمة 700 مليون دولار، أما من بعد حزيران الـ2020 وحتى نيسان الـ2021 فلم يستحق أي سند أي كانت الدولة تملك مهلة 10 أشهرللتفاوض مع صندوق النقد الدولي قبل استحقاق نيسان 2021 والذي بلغت قيمته مليارين دولار، وعندها كان على الحكومةاقرار التعثر أو غيره على ضوء الاتفاق مع صندوق النقد، حيث كنا حافظناعلى رؤوس الاموال ولجمنا هبوط احتياط مصرف لبنان ولم نهمّش القطاع المصرفي ولم نعزل الاقتصاد اللبناني عن النظام المالي والتجاري العالمي».

ويضيف « كان يفترض على الحكومة أن تبدأ مفاوضات مع حاملي سندات اليوروبوند لاعادة هيكلتهم، ولغاية اليوم لم تبدأ الحكومة المفاوضات، حيث كان للحكومة أجندة ضد الاقتصاد اللبناني ككل، واصدارها لبرنامج الانقاذ المالي أدى الى تبخر الثقة فالهيئات الاقتصادية عارضته والقطاع المصرفي اعتبره سطو غير مسلح على القطاع المصرفي اللبناني لافلاس المصارف، أمّا سعر صرف الدولار بالسوق الموازية فكان 1800 ليرة وتدحرج نحو سعر الصرف الحالي بسبب سياساتها، وأزمة السيولة وتدفق رؤوس الأموال والثقة كانت موجودة قبل قرار التعثر انما القرار فاقم الازمة أكثر، فالازمة ظهرت بأيلول وتفجرت بتشرين الاول لكنالحكومة استقالت بـ11 آب وليس بـ7 آذار حيث توجّب عليها بدء المفاوضات فورا بعد 7 آذار فبعض حاملي السندات مستعدين للبدء بالمفاوضات لكن لا يعرفون مع من يتواصلون».

وعن الحلول التي يمكن اعتمادها يقول غبريل «الحكومة اليوم في تصريف أعمال ولا يمكنها التفاوض مع صندوق النقد ولا مع حاملي السندات انما بامكانها التواصل معهم وتبادل الأفكار وأول خطوة نحو الاصلاح تبدأ بتشكيل حكومة للعودة الى طاولة المحادثات مع صندوق النقد الدولي والبدء بالمفاوضات مع حاملي سندات اليوروبند والضغط في سبيل إقرار قانون الكابيتال كونترول».