الحريري «اسير» لعبة خارجية... يُفضل الاعتذار ولكن لا يملك قراره !

واشنطن تروّج لحكومة عسكرية و«اسرائيل» - والخليج يدفعان للانهيار

دفع البلاد نحو «الحريق الكبير» يحتاج الى الكثير من التبصر والحكمة في قراءة الاحداث وخلفياتها، لان حصر اسباب التحلل السريع للدولة، عبر ضرب الامن الاجتماعي وتهديد الاستقرار بدفع الليرة الى هاوية سحيقة، لا يجب ان يقرا فقط من زاوية داخلية بعد اليوم، فلا ثمن تراجع رئيس الجمهورية عن موقفه من تشكيل الحكومة يحتاج الى هذا الكمّ الهائل من الضغوط الانتحارية، ولا اجبار الرئيس المكلف على اتخاذ قرار بالتشكيل على اسس واقعية او الاعتذار، يحتاج الى تدمير ما تبقى من مؤسسات لصالح فوضى مخيفة تبدأ ولا يعرف احد كيف ستنتهي. ولهذا لم يعد مقنعا اي كلام عن ربط الانهيار المتسارع «بلعبة» عض الاصابع بين بعبدا «وبيت الوسط»، فلا رئيس الجمهورية ميشال عون يسعى الى انهاء ما تبقى من عهده في لملمة اشلاء الدولة، وليس بمقدور الرئيس سعد الحريري تحمّل تبعات انهيار اثبتت الايام انه غير جدير في ادارته لا في «الشارع»، ولا في سدة المسؤولية. ولهذا يبدو من السذاجة ربط تفاقم الازمة الاقتصادية والامنية بالصراع على ادارة «التفليسة» في البلاد. ويبقى السؤال الجوهري والملح من يدير الفوضى؟ ولماذا؟ وما هي الاثمان المطلوبة لوقف السقوط في «الهاوية»؟

اوساط سياسية بارزة، تؤكد ان «اللعبة» الدائرة في البلد اكبر من قدرة الرئيس الحريري وفريقه السياسي على ادارتها، لكنه بات «اسير» «لعبة امم» مثيرة للقلق، دخل فيها ولا يقوى على الخروج منها دون اذن، وللدلالة على ذلك، يمكن العودة الى اشهر مضت عندما قرر الحريري فجأة العودة الى تقديم نفسه مرشحا طبيعيا للرئاسة الثالثة، بعدما سبق واعلن انه لن يعود الى السراي الكبير في عهد الرئيس عون، يومها ثمة من ورطه عبر ايهامه بالقدرة على لعب دور «المنقذ» اثر وعود بفتح «خزائن» اقليمية ودولية لمساعدة الاقتصاد اللبناني شريطة البدء باصلاحات لا مهرب منها لاعادة تسويق نفسه وحكومته امام العالم، وظن يومها ان الشروط الدولية والاقليمية المتعلقة بحزب الله ودوره يمكن تجاوزها بضمانة فرنسية، ليتبين لاحقا ان باريس لا تملك القدرة على تسويق مبادرتها دون الرضى الاميركي - الخليجي حيث تجتمع القدرات المالية والعسكرية المؤثرة لان لبنان غير قادر على تجاوز ازمته المالية والاقتصادية دون قرار من واشنطن بتسهيل وصول الدولارات عبر المؤسسات الدولية، ومن خلال الحلفاء في الخليج، لكن ما بينته الاحداث والتطورات انه أعيد مرة جديدة استخدام الحريري في صراع يتجاوز قدراته المحلية، وبات اليوم غير قادر على تجاوز العقد الساذجة التي ُطلب منه اختلاقها لتجميد عملية التأليف، ولا يملك ايضا قرارالاعتذار «دون قرار خارجي» يمنحه «الضوء الاخضر» بعدما ربطت الساحة اللبنانية بمصير ساحات اخرى يجري التفاوض عليها في المنطقة، ولكل قرار ثمن، وزمان!

 ووفقا لاوساط دبلوماسية اللوم لا يقع فقط على الحريري الذي لا يملك اي «وزن» في التوازنات الاقليمية والدولية، بل يقع اللوم الاكبر على باريس التي تأخرت كي تستوعب انه  لا يمكن فصل المسار اللبناني عن المسارات الاخرى، لان واشنطن المدفوعة بضغط اسرائيلي - خليجي تريد توظيف كل «الاوراق» في المنطقة لاضعاف الموقف الايراني التفاوضي في الملف النووي، ولهذا يتعاظم حجم الضغوط على سوريا لدفع النظام الى خيارات اقليمية جديدة عبر اغرائه برفع العقوبات، واعادة الاعمار، مقابل ترك ايران والتقارب مع اسرائيل، ولا يستوي هذا الضغط دون محاولة ضرب بيروت بعدما تحولت الى «رئة» دمشق التي كانت تتنفس من خلالها في سنوات الحرب.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يمكن الجزم ان الحريري لا يملك قراره في قبول المبادرات المحلية او رفضها، وكذلك اتخاذ قرار الاعتذار، مع العلم انه بات على قناعة، بحسب زوار «بيت الوسط»، ان بقاءه خارج سدة المسؤولية في هذه المرحلة الصعبة، هو الخيار الافضل، خصوصا انه بات مقتنعا بأن «ابواب» السعودية ستبقى مقفلة، ولا يملك اي وعود بتقديم المساعدات المطلوبة لاعادة تفعيل الاقتصاد وانعاش الاوضاع المالية والمعيشية، ويعرف ايضا ان اي خطوة في اتجاه الشراكة المحلية مع الرئيس عون وحزب الله دون مباركة خارجية، ستكون باهظة للغاية على مستقبله السياسي والشعبي، لانه سيكون في مواجهة غير متكافئة مع من اغراه بلعب دور رئيس الحكومة، كما سيتلقف «كرة النار» وحده داخليا، وسيحمّله الجميع مسؤولية الفشل المحتم، وسيعود «الشارع» للانفجار في وجهه، وسيكون امام سيناريو مكرر عما حصل قبيل استقالته الاخيرة، ولهذا لن يقوم بأي «دعسة ناقصة» لا يملك اصلا القرار فيها، وهو ينتظر الان ما ستؤول اليه عملية التفاوض على «طاولة» الكبار، وسيكون قراره الانعكاس الاولي للانفراج او الانفجار في المنطقة.

ولهذا عندما يخرج الحريري للاعلان عن تضحية جديدة، «وتجرع السم» في سبيل تاليف الحكومة، ويتوجه الى القصر الرئاسي للتفاهم على صيغة التسوية المفترضة مع الرئيس عون، يكون الخارج قد سلم بعدم القدرة على الذهاب بعيدا في دفع لبنان نحو الفوضى الشاملة التي باتت على «الابواب»، حينها قد تمنح البلاد بعض الاوكســيجين يبقـيها على «قيد الحياة» ريثما تنضج التسويات الكبرى،ليتم بعدها اخراج الساحة اللبنانية من «الثلاجة». اما اذا دُفع الحريري الى «الاعتذار» او على ابقاء «ورقة التكليف» في جيبه دون القيام بأي مبادرة جدية للتأليف، فهذا يعني ان لا عودة عن قرار دفع لبنان نحو الهاوية السحيقة، وهنا ثمة اختلاف في الرؤى بين الاميركيين الذين يعتقدون ان الفوضى ستقدم خدمة مجانية لحزب الله للامساك بمفاصل الدولة، وهم يشجعون على تحضير الاجواء الملائمة لملء الفراغ «بحكومة عسكرية» قبل الدخول في تجربة الانهيار الشامل، بينما تعتقد بعض دول الخليج واسرائيل انه يجب ابقاء الضغط العالي على حزب الله وحليفه رئيس الجمهورية، ولا يجب التراجع او القلق من الفوضى لانها في النهاية ستؤدي الى ارباك الحزب واضعافه داخليا، وهو امر سيجلعه ينكفا عن مهماته الخارجية ويغرق في الوحول اللبنانية.

هذه المخاطر المحدقة تخشاها باريس ومعها موسكو وهما يعملان على ابعاد «الكأس المرة» عن اللبنانيين، اما اذا اخفقا، فالاسوأ يلوح في الافق، وهنا لا بد من التذكير بأن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله سبق وحذّر من يعنيهم الامر صراحة «بأن من سيحاول قتلنا سنقتله»... «واللبيب من الاشارة يفهم»!

 هل تنجح باريس - وموسكو باعادة  لبنان الى «الثلاجة» ؟

نصرالله حذر من يعنيهم الامر «من سيُحاول قتلنا سنقتله» !