على قاعدة «يا دارة دوري فينا» يدور القطاع الصحي في لبنان في حلقة مفرغة، بعد أن تلاشت جميع أقسامه من القسم الاستشفائي فالتمريضي فالطبي والصيدلي. وكل قسم يراشق القسم الآخر، لاجئا إلى نقابته التي بدورها تلتجئ للوزارات والوزارات تلوم الوكلاء والوكلاء يلومون مصرف لبنان ومصرف لبنان يلوم الدولة، في مشهد مرير ينذر بتشييع القطاع الذي أنهكته الأزمة الصحية جراء وباء كورونا والاقتصادية نتيجة انهيار العملة اللبنانية.

توصف الديار المعاناة بلسان المعنيين بدءا من ​نقيب الصيادلة​ ​غسان الأمين، الذي أوضح في حديث للصحيفة أنّ «الإضراب الذي قام به الصيادلة هو صرخة يحاولون إيصالها إلى المسؤولين، فنحن لا نتظاهر ولا نقفل طرقات ولا نقوم بأعمال تكسير وشغب إنما نعتصم بطريقة حضارية وسلمية بعد أن أصبحت حالتنا كحالة المريض في العناية الفائقة الذي يتنفس على الأوكسجين الاصطناعي ليصمد».

ويشرح الأمين انّ «الصيدلي يعمل وفق جعالة (هامش ربح) محددة من قبل وزارة الصحة على سعر صرف 1500 ليرة، والتي لم تعد تكفي مصاريف الصيدلية قبل المصاريف الشخصية من أكل وطبابة ومدارس... ما أجبر العديد من الصيادلة إلى الاستدانة أو إلى استخدام مخزونهم من الأدوية الذي ينفد بعد شهر أو اثنين كحدّ أقصى»، لافتا إلى أنّ «القطاع يستنزف فبحسب إحصاءات شركات توزيع الأدوية، أكثر من 600 صيدلية أقفلت أبوابها».

ويعيد نقيب الصيادلة أسباب النقص في الدواء إلى «أولا، تهافت المواطنين لشراء الادوية بهدف تخزينها خوفا من انقطاعها، ثانيا، تأخير موافقات مصرف لبنان على طلبات دعم الاستيراد لحوالي أربعة اشهر تقريباً، ما ينعكس شحّاً في كميات الأدوية المتوافرة في مخزون المستوردين محلّياً وبالتالي تسلّم الصيدليات البضائع «بالقطارة»، حيث أنّ كميات الأدوية لا تكفي لسداد حاجات المرضى، ثالثا، تهريب كميات كبيرة من الادوية إلى الخارج».

ويختم محذّرا من أن وجود القطاع واستمراريته مهددان فهو قصرا ذاهب الى الاقفال لعدم امكانيته على الاستمرار»، داعيا رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب إلى تبني خطة ترشيد دعم ​الدواء​ التي اعدتها اللجنة الوزارية ووافقت عليها ​وزارة الصحة​ و ​لجنة الصحة النيابية​ والنقابات المعنية ورفعها الى حاكم ​مصرف لبنان رياض سلامة​«، من جهة ومن جهّة اخرى رفع الجعالة ليتمكن الصيدلي من عيش حياة كريمة ويستمر القطاع في الحفاظ على صحة الناس»، مؤكدا أنّ «أسعار أدوية الامراض المزمنة والقلب والسكري والضغط لن ترتفع أنما ارتفاع الاسعار سيطال أدوية اخرى».

وبدورها أعلنت نقيبة الممرضات والممرضين ميرنا ضومط في حديث للديار «أننا نعيش في حال طوارئ تمريضية بعد أن وصل القطاع التمريضي إلى حالة مأساوية»،عارضة المشاكل وأبرزها «عدم تلقي جميع الممرضين والممرضات لقاح كورونا ما يعرض حياتهم والآخرين إلى خطر كبير، والتأخّر في دفع الرواتب في الوقت الذي يخصم من رواتب البعض نسبة 20% فيما البعض الآخر لم يتلقى راتبه منذ أشهر، كما يفرض على الممرضين العمل لساعات أطول دون بدل مادي أو حوافز وهو مخالفة لقانون العمل».

وتلفت ضومط إلى أنّ «القطاع الصحي في لبنان يعاني من نقص في الممرضين بعد هجرة اكثر من 1000 ممرض وممرضة من اصحاب الشهادات والكفاءات والخبرات بسبب الأزمة ووضع البلد»، مطالبة «بتسديد كل المستحقات المتأخرة وتطبيق سلسلة الرتب والرواتب وتثبيت الممرضين والممرضات وإحتساب 40 في المئة من الراتب على أساس سعر الصرف الرسمي في المنصة ووقف الصرف التعسفي وفتح باب التوظيف».

وكان لنقيب الاطباء شرف ابو شرف صرخة موازية بعد تلقي ​نقابة الأطباء​ بين العام 2020 ومطلع العام 2021 حوالي 600 طلب إفادات من أطباء تثبت سيرتهم المهنية الحسنة بهدف الهجرة إلى الخارج وخسارة هؤلاء كبيرة ولا تعوض خصوصاً أنهم من جيل ​الشباب​ وأعمارهم تتراوح بين الـ35 والـ55 عاماً أي من الفئة التي يتكل عليها كثيراً في ​المستشفيات​.

أنهكت الازمة الصحية الناتجة عن انتشار وباء كورونا والارتفاع الدراماتيكي لسعر صرف الدولار القطاع الصحي في لبنان فبين هجرة الممرضين والممرضات وانقطاع الأدوية من السوق، وعدم قدرة المستشفيات على اسيعاب المزيد من المرضى، يتآكل ويستنزف القطاع الصحي يوما بعد يوم، وسط عجز المعنيين عن إيجاد الحلول لغياب الإرادة، راكدا في غرف العناية الفائقة بانتظار موعد تشييعه!