«الديار» تفتح الملفّات وتسأل التنظيم المدني

في لبنان، بلد العشوائيات والمشاكل التي لا تنتهي بات الحديث عن أمور حياتية كالتنظيم المدني أمر أشبه بالكماليات. هكذا تمت سرقة حقوقنا، تارةً بشكل مباشر وطوراً غير مباشر، فكما هو معلوم عندما يجوع الانسان يتلهى بالبحث عن لقمة عيش تكفيه قوت يومه، ويقضي ما تبقى من نهاره بالتفكير في كيفية الحصول عليها في اليوم التالي، وهكذا ينسى هذا الانسان أن له حقوقا كثيرة أخرى، لا بل يخجل حتى من التفكيرفيها!

هل فكرت يوماً أن المصنع الموجود بجانب منزلك غير قانوني؟ أو أن منزلك قريب بشكل مريب من هذا المصنع؟ هل فكرت يوماً أن الإعلانات العشوائية المؤذية للنظر على الطرقات يجب تنظيمها؟ هل فكرت يوماً أن الحديقة العامة التي تراها في المسلسلات التلفزيونية وتنال اعجابك هي حق لك على الدولة؟ وأن المساحات الخضراء في المدن والقرى ليست مباحة لأي جهة كانت بالتعدي عليها؟ هل تعلم أن سلامة بنائك إبان الكوارث الطبيعية كالزلازل والهزات أمر يجب دراسته واستيفائه لشروط معينة؟

كل ما تم ذكره وأكثر من ذلك بكثير هو جزء صغير من أجزاء كثيرة تقع تحت عنوان عريض يسمى بالتنظيم المدني. عام 1983 صدر المرسوم الإشتراعي رقم 69 لإقرار قانون التنظيم المدني الذي لحظ إنشاء مجلس أعلى للتنظيم المدني كجهاز مختص في شؤون التنظيم المدني والقروي.

«الديار» ستقوم بفتح هذا الملف على دفعات للوقوف أمام واقع عدة أمور في محاولة لتسليط الضوء على مروحة أكبر من الحقوق الواجب على المواطن أن يعيها ويتمسك بها ويحارب لأجلها.

 خمس وثمانون بالمئة من الأراضي اللبنانية غير منظمة! 

في تحليل نشرته المفكرة القانونية عام 2018، تبين أن ما نسبته 85% من الأراضي اللبنانية غير منظمة، بينما تتوزع المناطق المنظمة (15%) بمعظمها في المدن الرئيسية وضواحيها حيث الانتشار العمراني الكثيف.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن هذه المناطق لم يصدر بشأنها تصاميم توجيهية وتفصيلية عامة أو جزئية، حيث تتعرض الى إهمال اعتباطي، فوفق المفكرة القانونية هناك 353 منطقة غير منظمة في لبنان صدر قرار بشأنها من قبل المجلس الأعلى، وهو عادة ما يكون مُلزما عند منح ترخيص البناء خلال ثلاث سنوات، وبعدئذ يصدر مرسوم يصدقه من قبل مجلس الوزراء. في جميع الحالات، نجد أنّ المراسيم لم تصدر خلال المهلة القانونية، وبالتالي نشهد عملية تنظيمية عبثية معاكسة تماماً للمصلحة العامة، ومن شأنها أن تتيح لأصحاب المشاريع إتمام مشاريعهم في غياب تام لأي ضوابط.

 معامل على تلاصق تام ومعامل جعلت من محيطها منطقة جرداء

عطفاً على نقطة الضوابط، سوف نقوم بدايةً بتناول موضوع المعامل الصناعية ومدى قانونيتها من حيث المكان والالتزام بالشروط البيئية والصحة العامة.

في ١٩٧٢، صدر التصميم التوجيهي العام للشواطئ الشمالية بالمرسوم ٣٣٦٢، حيث لحظ المخطط وجود معملين للترابة تم إنشاؤهما قبل صدور المرسوم: الترابة الوطنية (السبع) وهي تقع عقاريا في شكا، والترابة اللبنانية (هولسيم) وهي تقع عقاريا في الهري.

عدد من الإشكاليات موجود في هذا التصميم، أهمها تموضع معمل السبع والمقالع على مقربة بل أحيانا بتلاصق تام مع مناطق سكنية، لا سيّما في الهري. كما أنه تم تطوير هذا التصميم على مقياس مناطقي أو إقليمي (الشواطئ الشمالية)، أي أنه نظم المقاطع الساحلية ضمن بلدات عدة (ومنها غير المنظمة)، من دون أن ينظم باقي أنحاء البلدة أو أن يوجه العمران بعلاقته مع المناطق الارتفاقية التي يستحدثها. هذا الخلل في التصميم التوجيهي الأول والجزئي، سمح لصناعات مضرة أن تتمركز بالقرب من موارد طبيعية ومن مناطق سكنية دون الحد من السكن والعمران ومعالجة علاقته بالصناعة.

معمل الترابة الثالث في لبنان هو معمل ترابة سبلين في قضاء الشوف والذي جعل من محيطه منطقة صناعية جرداء، من دون أي مراعاة للوجود السكاني والعمراني.

 المديرية العامة للتنظيم المدني: المعامل قانونية، المخالفات بتراخيص البناء، وصلاحياتنا محدودة! 

ما مدى قانونية عمل هذه المعامل مع قربها الكبير من المناطق السكنية؟ وما هو دور المديرية العامة للتنظيم المدني في تخفيف اضرار هذا الأمر وإعادة تنظيمه؟ للحصول على الإجابات، قمنا بالإتصال بالمدير العام لمديرية التنظيم المدني السيد إلياس طويل، الذي رأى أن معامل الترابة في شكا وسبلين هي قانونية بالكامل كونها تقع في مناطق مصنفة صناعية فئة أولى وفق مراسيم صادرة عن مجلس الوزراء، بمعنًى آخر لا يمكن إنشاء مؤسسات صناعية فئة أولى دون أن تكون المنطقة الإرتفاقية التي يقع فيها العقار مصنفة فئة أولى أيضاً.

وعن فرضية أن يكون سبب قرب المناطق السكنية من هذه المعامل عائدا إلى الفوضى في إعطاء تراخيص البناء، يقول السيد طويل أن هذا الأمر قد يكون واردا اما من خلال إعطاء تراخيص مخالفة للقانون، أو أنها قد تكون أيضاً ابنية غير شرعية تم بناؤها خلال فترات الأحدث والفوضى. ويستطرد نافيا أي دور أو سلطة للمديرية في موضوع التراخيص كونها تتبع لوزارة الأشغال، بينما البلديات هي المسؤول الأول عن قمع هذه المخالفات، وإذا لم يتم الأمر يجب على سلطة الوصاية، أي وزارة الداخلية والبلديات إتخاذ الاجراءت اللازمة وحث هذه البلديات على عدم إرتكاب مثل هكذا مخالفات وخصوصاً أنها تشكل ضررا كبيرا على السلامة العامة وصحة الناس والبيئة في آن معاً.

ويقتصر دور المديرية في هذا الصدد بتقسيم المنطقة الصناعية إلى مناطق صناعية ثالثة ورابعة وتحوي على صناعات لا تسبب انبعاثات كمناطق انتقالية متعددة بمسافات كبيرة قبل الوصول إلى المناطق الصالحة للسكن، وبالتالي تصنف المناطق الصناعية من الفئة الاولى على أنها خطرة جداً وغير صالحة للسكن.

أما في ما يتعلق بالشروط الصحية الواجب اتباعها ضمن هذه المعامل للحد من ضرر الانبعاثات، فينفي السيد طويل أي دور أو صلاحية للمديرية العامة للتنظيم المدني، ويرى أن التجهيزات المتعلقة بالحد من التلوث ضمن المؤسسات الصناعية المصنفة فئة أولى هي ضمن صلاحية وزارتي الصناعة والبيئة.

إذاً التنظيم المدني يرى أنه غير قادر على الحد من المخالفات المرتكبة في إنشاء مناطق سكنية بالقرب من المناطق الصناعية، ويرى أن هذه المناطق مصنفة صناعية وفق مراسيم وزارية. فمن المسؤول إذاً عن هذا الضرر؟ وزارة الداخلية أم وزارة الأشغال أم مجلس الوزراء مجتمعاً؟ لا يمكننا الجزم، الأمر أشبه بالسؤال عمن أتى أولاً الدجاجة أم البيضة؟

(يتبع)