منذ الليلة الأولى قيل له «دع شبح باراك أوباما يسكنك لا شبح دونالد ترامب!»...

بدا وكأن الرئيس الأميركي لم يأخذ بالنصيحة. كيف يمكن أن يصف فلاديمير بوتين بـ «القاتل» قبل أن تنقضي المائة يوم الأولى من ولايته؟

حين التقى فرانكلين روزفلت جوزف ستالين في يالطا (شباط 1945 )، بادره بود «تعال نقطع رأس الشيطان سوية قبل أن ندخل الى القاعة». تبعاً لما ورد في مذكرات أندريه غروميكو، رد «أبو الشعوب» ضاحكاً «نحن في الاتحاد السوفياتي قطعنا رأس الله، وأنت تحدثني عن الشيطان؟».

توماس فريدمان سأل جو بايدن «ماذا ستقول للأميركيين حين تجلس أنت والقاتل الى طاولة واحدة؟». تناسى أن الأمبراطورية، كأي أمبراطورية أخرى، لا تمد يدها الى القتلة فحسب، بل وتعشق القتلة. الكرملين رد بأدبيات البلاط لا بأدبيات الرعاع. المستشارة أنغيلا ميركل كادت أن تسأل «هل هذا، حقاً، جو بايدن؟».

طوال بقائه في رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ومن ثم نائباً للرئيس، لم يتفوه بأي كلمة فظة. من هنا كانت التعليقات الأوروبية التي تخوفت من أن يحاول الرئيس الأميركي استنساخ سلفه لكي لا يظهر بأنه «أقل هولاً منه».

العالم تعب من السياسات البهلوانية للادارة السابقة. قد يكون الايرانيون على حق حين يقولون ان الأميركيين لا يفهمون الا بالتكشيرة مقابل الضحكة. دونالد ترامب الذي لوّح بازالة كوريا الشمالية، كاد يتبادل القبل مع كيم جونغ ـ ان الذي هدد بضرب واشنطن ونيويورك بالقنبلة النووية. من زمان قال مناحيم بيغن «العالم لا يشفق على المذبوحين لكنه يحترم المحاربين».

حائكو السجاد بارعون في الأداء الديبلوماسي الشاق، والمعقد. ها هم يلجأون الى التصعيد في اليمن، وفي العراق، لكي يدرك الأميركيون «أن مصالحنا الجيوسياسية في المنطقة ترتبط بأمننا الاستراتيجي».

يعتقدون أن البيت الأبيض، وبالرغم من كل الضغوط الاسرائيلية والعربية، لا بد أن يوافق، في نهاية المطاف على صيغة للتسوية، تحاكي، بشكل أو بآخر، البلقنة، والى حد التنازل في العراق وفي سوريا. لبنان مسألة أخرى. لا بد من المساكنة، ولو كانت المساكنة الضبابية، بين القوتين.

آيات الله يدركون أن التنين هو الهاجس (وهو المأزق) الذي يحكم أدمغة وأعصاب الجنرالات في البنتاغون. عادة تكون أول زيارة لوزير الدفاع الى الشركاء في الأطلسي، من ثم الشرق الأوسط. هذه المرة رأينا لويد أوستن وقد توجه الى نيودلهي، لبناء سور حول سور الصين العظيم بالمثلث الهندي ـ الياباني ـ الأسترالي...

وصف الرئيس الأميركي لنظيره الروسي بـ «القاتل» ليس بالخطأ القاتل فقط. الخطيئة القاتلة. هذا ما حمل مستشار الأمن القومي جيك سوليفان على اصدار بيان ديبلوماسي للحد من التداعيات التي أحدثها كلام الرئيس.

حتى داخل الادارة هناك من يرى التعاطي بمرونة مع روسيا للحيلولة دون بلوغ العلاقات بينها وبين الصين حدود التحالف «العضوي» ضد الولايات المتحدة.

لعل المثير هنا أنه غداة كلام الرئيس، كان الأميركيون يجرون محادثات مع الصينيين. كثيراً ما نلاحظ تداخلاً ما بين البعد البراغماتي والبعد السريالي في السياسات الأميركية.

الايرانيون، على خطى الروس، يلعبون داخل الهاجس (المأزق) الأميركي. واثقون من أن واشنطن لا بد أن تتراجع. الدافع الرئيسي ليس فقط الموقع الجيوستراتيجي الفائق الحساسية بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى، بل آلية الدمج، لدى الايرانيين، بين الايديولوجيا الحديدية والديناميكية الديبلوماسية التي لا تدرك معناها الرؤوس اليابسة داخل النظام.

الايرانيون يضغطون في مكان آخر. السعوديون يرصدون، بقلق، الدبيب الديبلوماسي بين واشنطن وطهران. هل هي الفرصة الذهبية، الفرصة الأخيرة، لظهور الدخان الأبيض في قصر بعبدا؟!